خطبة خطبة : 163

خطبة (163): عجيب خلق الطاووس و مناظر الجنة الساحرة (یَذْكُرُ فِیْهَا عَجِیْبَ خِلْقَةِ الطَّاوٗسِ)

اِبْتَدَعَهُمْ خَلْقًا عَجِیْبًا مِّنْ حَیَوَانٍ وَّ مَوَاتٍ، وَ سَاكِنٍ وَّ ذِیْ حَرَكَاتٍ، وَ اَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَیِّنَاتِ عَلٰی لَطِیْفِ صَنْعَتِهٖ، وَ عَظِیْمِ قُدْرَتِهٖ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُوْلُ مُعْتَرِفَةًۢ بِهٖ، وَ مُسَلِّمَةً لَّهٗ، وَ نَعَقَتْ فِیْۤ اَسْمَاعِنَا دَلَآئِلُهٗ عَلٰی وَحْدَانِیَّتِهٖ، وَ مَا ذَرَاَ مِنْ مُّخْتَلِفِ صُوَرِ الْاَطْیَارِ الَّتِیْۤ اَسْكَنَهَاۤ اَخَادِیْدَ الْاَرْضِ، وَ خُرُوْقَ فِجَاجِهَا، وَ رَوَاسِیَ اَعْلَامِهَا، مِنْ ذَاتِ اَجْنِحَةٍ مُّخْتَلِفَةٍ، وَ هَیْئَاتٍ مُّتَبَایِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِیْ زِمَامِ التَّسْخِیْرِ، وَ مُرَفْرِفَةٍ بِاَجْنِحَتِهَا فِیْ مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَ الْفَضَآءِ الْمُنْفَرِجِ. كَوَّنَهَا بَعْدَ اِذْ لَمْ تَكُنْ فِیْ عَجآئِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَ رَكَّبَهَا فِیْ حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ.
وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهٖ اَنْ یَّسْمُوَ فِی الْهَوَآءِ خُفُوْفًا، وَ جَعَلَهٗ یَدِفُّ دَفِیْفًا، وَ نَسَقَهَا عَلَی اخْتِلَافِهَا فِی الْاَصَابِیْغِ بِلَطِیْفِ قُدْرَتِهٖ، وَ دَقِیْقِ صَنْعَتِهٖ، فَمِنْهَا مَغْمُوْسٌ فِیْ قَالَبِ لَوْنٍ لَّا یَشُوْبُهٗ غَیْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِیْهِ، وَ مِنْهَا مَغْمُوْسٌ فِیْ لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبِـغَ بِهٖ.
وَ مِنْ اَعْجَبِهَا خَلْقًا الطَّاوٗسُ، الَّذِیْۤ اَقَامَهٗ فِیْۤ اَحْكَمِ تَعْدِیْلٍ، وَ نَضَّدَ اَلْوَانَهٗ فِیْۤ اَحْسَنِ تَنْضِیْدٍ، بِجَنَاحٍ اَشْرَجَ قَصَبَهٗ، وَ ذَنَبٍ اَطَالَ مَسْحَبَهٗ. اِذَا دَرَجَ اِلَی الْاُنْثٰی نَشَرَهٗ مِنْ طَیِّهِ، وَ سَمَا بِهٖ مُطِلًّا عَلٰی رَاْسِهٖ، كَاَنَّهٗ قِلْعُ دَارِیٍّ عَنَجَهٗ نُوْتِیُّهٗ، یَخْتَالُ بِاَلْوَانِهٖ، وَ یَمِیْسُ بِزَیَفَانِهٖ، یُفْضِیْ كَاِفْضَآءِ الدِّیَكَةِ، وَ یَؤُرُّ بِمُلَاقَحَۃٍ اَرَّ الْفُحُوْلِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ.
اُحِیْلُكَ مِنْ ذٰلِكَ عَلٰی مُعَایَنَةٍ، لَا كَمَنْ یُحِیْلُ عَلٰی ضَعِیْفٍ اِسْنَادُهٗ، وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ یَزْعُمُ اَنَّهٗ یُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهٗ، فَتَقِفُ فِیْ ضَفَّتَیْ جُفُوْنِهٖ، وَ اَنَّ اُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذٰلِكَ، ثُمَّ تَبِیْضُ لَا مِنْ لِّقَاحِ فَحْلٍ سِوَی الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ، لَمَا كَانَ ذٰلِكَ بِاَعْجَبَ مِنْ مُّطَاعَمَةِ الْغُرَابِ!.
تَخَالُ قَصَبَهٗ مَدَارِیَ مِنْ فِضَّةٍ، وَ مَاۤ اُنْۢبِتَ عَلَیْهَا مِنْ عَجِیْبِ دَارَاتِهٖ، وَ شُمُوْسِهٖ خَالِصَ الْعِقْیَانِ، وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ. فَاِنْ شَبَّهْتَهٗ بِمَاۤ اَنْۢبَتَتِ الْاَرْضُ قُلْتَ: جَنِیٌ جُنِیَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِیْعٍ، وَ اِنْ ضَاهَیْتَهٗ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِیِّ الْحُلَلِ اَوْ كَمُوْنِقِ عَصْبِ الْیَمَنِ، وَ اِنْ شَاكَلْتَهٗ بِالْحُلِیِّ فَهُوَ كَفُصُوْصٍ ذَاتِ اَلْوَانٍ، قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَیْنِ الْمُكَلَّلِ.
یَمْشِیْ مَشْیَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ، وَ یَتَصَفَّحُ ذَنَۢبَهٗ وَ جَنَاحَیْهٗ، فَیُقَهْقِهٗ ضَاحِكًا لِّجَمَالِ سِرْبَالِهٖ، وَ اَصَابِیْغِ وِشَاحِهٖ، فَاِذَا رَمٰی بِبَصَرِهٖۤ اِلٰی قَوَآئِمِهٖ زَقَا مُعْوِلًۢا بِصَوْتٍ یَّكَادُ یُبِیْنُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهٖ، وَ یَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهٖ، لِاَنَّ قَوَآئِمَهٗ حُمْشٌ كَقَوَآئِمِ الدِّیَكَةِ الْخِلَاسِیَّةِ.
وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوْبِ سَاقِهٖ صِیْصِیَّةٌ خَفِیَّةٌ، وَ لَهٗ فِیْ مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَآءُ مُوَشَّاةٌ، وَ مَخْرَجُ عَنُقِهٖ كَالْاِبْرِیْقِ، وَ مَغْرَزُهَاۤ اِلٰی حَیْثُ بَطْنُهٗ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْیَمَانِیَّةِ، اَوْ كَحَرِیْرَةٍ مُّلْبَسَةٍ مِّرْاٰةً ذَاتَ صِقَالٍ، وَ كَاَنَّهٗ مُتَلَفِّـعٌۢ بِمِعْجَرٍ اَسْحَمَ، اِلَّاۤ اَنَّهٗ یُخَیَّلُ لِكَثْرَةِ مَآئِهٖ، وَ شِدَّةِ بَرِیْقِهٖ، اَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌۢ بِهٖ، وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهٖ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِیْ لَوْنِ الْاُقْحُوَانِ، اَبْیَضُ یَّقَقٌ، فَهُوَ بِبَیَاضِهٖ فِیْ سَوَادِ مَا هُنَالِكَ یَاْتَلِقُ.
وَ قَلَّ صِبْغٌ اِلَّا وَ قَدْ اَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ، وَ عَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهٖ وَ بَرِیْقِهٖ، وَ بَصِیْصِ دِیْبَاجِهٖ وَ رَوْنَقِهٖ، فَهُوَ كَالْاَزَاهِیْرِ الْمَبْثُوثَةِ، لَمْ تُرَبِّهَاۤ اَمْطَارُ رَبِیْعٍ، وَ لَا شُمُوْسُ قَیْظٍ. وَ قَدْ یَتَحَسَّرُ مِنْ رِّیْشِهٖ، وَ یَعْرٰی مِنْ لِّبَاسِهٖ، فَیَسْقُطُ تَتْرٰی، وَ یَنْۢبُتُ تِبَاعًا، فَیَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ اَوْرَاقِ الْاَغْصَانِ، ثُمَّ یَتَلَاحَقُ نَامِیًا حَتّٰی یَعُوْدَ كَهَیْئَتِهٖ قَبْلَ سُقُوْطِهٖ، لَا یُخَالِفُ سَالِفَ اَلْوَانِهٖ، وَ لَا یَقَعُ لَوْنٌ فِیْ غَیْرِ مَكَانِهٖ! وَ اِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِّنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهٖ اَرَتْكَ حُمْرَةً وَّرْدِیَّةً، وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِیَّةً، وَ اَحْیَانًا صُفْرَةً عَسْجَدِیَّةً.
فَكَیْفَ تَصِلُ اِلٰی صِفَةِ هٰذَا عَمَآئِقُ الْفِطَنِ، اَوْ تَبْلُغُهٗ قَرَآئِحُ الْعُقُوْلِ، اَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهٗ اَقْوَالُ الْوَاصِفِیْنَ! وَ اَقَلُّ اَجْزَآئِهٖ قَدْ اَعْجَزَ الْاَوْهَامَ اَنْ تُدْرِكَهٗ، وَ الْاَلْسِنَةَ اَنْ تَصِفَهٗ!.
فَسُبْحَانَ الَّذِیْ بَهَرَ الْعُقُوْلَ عَنْ وَّصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُیُوْنِ، فَاَدْرَكَتْهُ مَحْدُوْدًا مُّكَوَّنًا، وَ مُؤَلَّفًا مُّلَـوَّنًا، وَ اَعْجَزَ الْاَلْسُنَ عَنْ تَلْخِیْصِ صِفَتِهٖ، وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَاْدِیَةِ نَعْتِهٖ!.
وَ سُبْحَانَ مَنْ اَدْمَجَ قَوَآئِمَ الذَّرَّةِ وَ الْهَمَجَةِ اِلٰی مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِیْتَانِ وَ الْفِیَلَةِ! وَ وَاٰی عَلٰی نَفْسِهٖۤ اَنْ لَّا یَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِّمَّاۤ اَوْلَجَ فِیْهِ الرُّوْحَ، اِلَّا وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهٗ، وَ الْفَنَآءَ غَایَتَهٗ.
فَلَوْ رَمَیْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا یُوْصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْۢ بَدَآئِعِ مَاۤ اُخْرِجَ اِلَی الدُّنْیَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا، وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِی اصْطِفَاقِ اَشْجَارٍ غُیِّبَتْ عُرُوْقُهَا فِیْ كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلٰی سَوَاحِلِ اَنْهَارِهَا، وَ فِیْ تَعْلِیْقِ كَبَآئِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِیْ عَسَالِیْجِهَا وَ اَفْنَانِهَا، وَ طُلُوْعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِیْ غُلُفِ اَكْمَامِهَا، تُجْنٰی مِنْ غَیْرِ تَكَلُّفٍ فَتَاْتِیْ عَلٰی مُنْیَةِ مُجْتَنِیْهَا، وَ یُطَافُ عَلٰی نُزَّالِهَا فِیْۤ اَفْنِیَةِ قُصُوْرِهَا بِالْاَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَ الْخُمُوْرِ الْمُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَّمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادٰی بِهِمْ حَتّٰی حَلُّوْا دَارَ الْقَرَارِ، وَ اَمِنُوْا نُقْلَةَ الْاَسْفَارِ.
فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ اَیُّهَا الْمُسْتَمِـعُ بِالْوُصُوْلِ اِلٰی مَا یَهْجُمُ عَلَیكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُوْنِقَةِ، لَزَهَقَتْ نَفْسُكَ شَوْقًا اِلَیْهَا، وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِیْ هٰذَاۤ اِلٰی مُجَاوَرَةِ اَهْلِ الْقُبُوْرِ اسْتِعْجَالًۢا بِهَا. جَعَلَـنَا اللهُ وَ اِیَّاكُمْ مِمَّنْ یَّسْعٰی بِقَلْبِهٖ اِلٰی مَنَازِلِ الْاَبْرَارِ بِرَحْمَتِهٖ.

وفيه وصف الخلق العجيب للطاووس. لقد خلق الله كل نوع من المخلوقات، حية كانت أو هامدة، ساكنة أو متحركة، وزينها بأشكال بديعة، وأظهر مهارة الله وقدرته العظيمة من خلال علامات لا لبس فيها تجبر العقل على الاعتراف بوجوده والخضوع للطاعة.. إن تنوع الطيور وأشكالها وأشكالها وعجائب خلقها دليل واضح على وحدانية خالقها. تسكن هذه الطيور الجحور والشقوق الجبلية والقمم العالية، ولها ريش وأشكال متنوعة، وكل نوع تسيطر عليه القدرة الإلهية، وترفرف بأجنحتها في مساحات الهواء الواسعة.. وعندما لم تكن موجودة بعد، خلق أشكالها الخارجية الجميلة والغريبة، فبنى أجسادها فوق مفاصل مغطاة باللحم.. ومنهم من يمنعه ثقله من التحليق العالي، فلا يرتفع إلا قليلاً عن الأرض. وبقوة رائعة وفنية بارعة، قام بتلوين هذه الأنواع من الطيور، بعضها مصبوغ بلون واحد غير مخلوط، والبعض الآخر مزين بحلقة مميزة من الألوان تختلف عن الباقي.. وأعجب هذه الطيور كلها الطاووس، الذي صور أطرافه في غاية التوازن، ورتب ألوانها في جمال متناغم. بهاؤه يكمن في أجنحته، حيث يرتبط كل جذر بالآخر، وفي ذيله الطويل يسحب إلى الخلف. عندما يقترب الطاووس من شريكه ينشر ذيله الملتف ويرفعه فوق رأسه مثل شراع قارب في دارين يقوده بحار. إنها تتبختر بفخر بألوانها، وترقص وتستعرض، وتتزاوج مع أنثىها مثل الديك، مدفوعة بحماسة لا تهدأ. وصفي يعتمد على الملاحظة المباشرة، وليس التقارير المباشرة. ويتخيل البعض، على نحو خيالي، أن الطاووس لا تضع بيضها إلا بعد أن ذاقت الدموع التي تذرف من عيني الطاووس، وهي فكرة ليست غريبة عن الحكايات المروية عن كيفية قيام الغراب بإطعام رفيقه للحث على وضع البيض.. عند الفحص الدقيق، تبدو أعمدة ريش الطاووس مثل قضبان من الفضة، وعيونها الرائعة مثل الأجرام السماوية المتوهجة، وأصفرها مثل الذهب الخالص، والزمرد الأخضر.. الطاووس إذا شبهه بمنتجات الأرض فهو باقة كل برعم ربيع؛ وإن كان في اللباس فهو مثل الديباج المطرز من اليمن. وإن كان في الحلي فهو كالجوهرة الموضوعة في صفوف من الفضة. يمشي بكبرياء المتكبرين، وإذا أعجب بريشه يضحك من جمال عباءته وقلادته. وهو يحدق في ساقيه، ويصرخ شفقة على نفسه، لأن ساقيه نحيفتان وشاحبتان كأقدام طيور الفناء، ولها مهماز في نهايتيها.. رقبتها معنقدة بريش الزمرد، رفيعة مثل الدورق. الجزء الممتد من رأسه إلى بطنه أخضر داكن، يشبه مرآة مصقولة ملفوفة بالحرير، كما لو كانت ملفوفة في شال أسود، مضاء بنفحات من اللون الأخضر الطازج.. وفوق أذنيه يومض خط أبيض كجرة قلم وسط الظلام. قليل من الألوان تفتقر إلى أثر لهذا اللون الأبيض، بينما يطغى لمعان الطاووس على جميع الألوان بتألق الحرير وبريقه. وكأن الطاووس مكون من أزهار متفرقة لا يسقيها المطر ولا تنضجها شمس الصيف. في بعض الأحيان يتم تجريد الطاووس من ريشه ورداءه الملون، وينسلخ جناحًا بعد جناح كما تتساقط الأغصان من أوراقها، ثم ينمو مرة أخرى إلى لونه السابق، ولا يتغير أبدًا ولا يتغير لونه.. إذا قمت بفحص ألياف الريشة، أحيانًا تبدو وردية كالزهرة، وأحيانًا خضراء زمردية، وأحيانًا ذهبية. فكيف يمكن لعمق الفكر أن يصل إلى طبيعة مثل هذا المخلوق، أو أن يجسد التعبير صفاته، حتى في حين أن أصغر جزء منه يتحدى الخيال والوصف؟ تبارك الذي جعل العقول غير قادرة على فهم حتى كائن ظاهر ومعروف، وخلق أعضاء المخلوقات من النمل والبعوض إلى وحوش البحر والغابة، وربطهم جميعًا بفناءهم.. وفي هذه الخطبة أيضاً حديث عن الجنة: لو تأملت عجائبها ببصيرة، لابتعد قلبك عن أفضل متع الدنيا وزينتها، ولتلذذ بحفيف أوراق الشجر التي جذورها الأنهار في المسك، وقلائد اللؤلؤ المعلقة على الأغصان، وظهور الثمرات المستعدة للقطف بغير تعب، تأتي في متناول اليد كما تشتهي.. ومن بين أجنحة الجنة يقدم للضيوف العسل الصافي والنبيذ غير الملوث. هؤلاء هم الذين نالوا الهداية الكريمة من الله حتى وصلوا إلى مثواهم واستراحوا من السفر. أيها المستمع! إذا ثبتت نفسك على تحقيق هذه الرؤى المبهجة، فقد يودي الشوق بحياتك، ويدفعك إلى البحث سريعًا عن صحبة الموتى.. جعلنا الله وإياكم برحمته من الساعين إلى مقام العباد الصالحين. (ثم ​​يوضح الشريف الرازي الكلمات الصعبة المستخدمة في هذه الخطبة، مثل الإشارات إلى تزاوج الطاووس، وشراع السفينة من دارين، وتشريح الطاووس، وغيرها من المصطلحات الفنية)..