عِبَادَ اللهِ! اِنَّ مِنْ اَحَبِّ عِبَادِ اللهِ اِلَیْهِ عَبْدًا اَعَانَهُ اللهُ عَلٰی نَفْسِهٖ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدٰی فِیْ قَلْبِهٖ، وَ اَعَدَّ الْقِرٰی لِیَوْمِهِ النَّازِلِ بِهٖ، فَقَرَّبَ عَلٰی نَفْسِهِ الْبَعِیْدَ، وَ هَوَّنَ الشَّدِیْدَ، نَظَرَ فَاَبْصَرَ،وَ ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَ ارْتَوٰی مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهٗ مَوَارِدُهٗ، فَشَرِبَ نَهَلًا، وَ سَلَكَ سَبِیْلًا جَدَدًا.قَدْ خَلَعَ سَرَابِیْلَ الشَّهَوَاتِ، وَ تَخَلّٰی مِنَ الْهُمُوْمِ، اِلَّا هَمًّا وَّاحِدًا انْفَرَدَ بِهٖ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمٰی، وَ مُشَارَكَةِ اَهْلِ الْهَوٰی، وَ صَارَ مِنْ مَّفَاتِیْحِ اَبْوَابِ الْهُدٰی، وَ مَغَالِیْقِ اَبْوَابِ الرَّدٰی.
قَدْ اَبْصَرَ طَرِیْقَهٗ، وَ سَلَكَ سَبِیْلَهٗ، وَ عَرَفَ مَنَارَهٗ، وَ قَطَعَ غِمَارَهٗ، اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرٰی بِاَوْثَقِهَا، وَ مِنَ الْحِبَالِ بِاَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْیَقِیْنِ عَلٰی مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهٗ لِلّٰهِ سُبْحَانَهٗ فِیْۤ اَرْفَعِ الْاُمُوْرِ، مِنْ اِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَیْهِ، وَ تَصْیِیْرِ كُلِّ فَرْعٍ اِلٰۤی اَصْلِهٖ. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَّافُ عَشَوَاتٍ، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ، دَلِیْلُ فَلَوَاتٍ، یَقُوْلُ فَیُفْهِمُ، وَ یَسْكُتُ فَیَسْلَمُ.
قَدْ اَخْلَصَ لِلّٰهِ فَاسْتَخْلَصَهٗ، فَهُوَ مِنْ مَّعَادِنِ دِیْنِهٖ، وَ اَوْتَادِ اَرْضِهٖ. قَدْ اَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ اَوَّلُ عَدْلِهٖ نَفْیَ الْهَوٰی عَنْ نَّفْسِهٖ، یَصِفُ الْحَقَّ وَ یَعْمَلُ بِهٖ، لَا یَدَعُ لِلْخَیْرِ غَایَةً اِلَّاۤ اَمَّهَا، وَ لَا مَظِنَّةً اِلَّا قَصَدَهَا، قَدْ اَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهٖ، فَهُوَ قَآئِدُهٗ وَ اِمَامُهٗ، یَحُلُّ حَیْثُ حَلَّ ثَقَلُهٗ، وَ یَنْزِلُ حَیْثُ كَانَ مَنْزِلُهٗ.
وَ اٰخَرُ قَدْ تَسَمّٰی عَالِمًا وَّ لَیْسَ بِهٖ، فَاقْتَبَسَ جَهَآئِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَّ اَضَالِیْلَ مِنْ ضُلَّالٍ، وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ اَشْرَاكًا مِّنْ حَبَآئِلِ غُرُوْرٍ، وَ قَوْلِ زُوْرٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلٰۤی اٰرَآئِهٖ، وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلٰۤی اَهْوَآئِهٖ، یُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَآئِمِ، وَ یُهَوِّنُ كَبِیْرَ الْجَرَآئِمِ، یَقُوْلُ: اَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَ فِیْهَا وَقَعَ، وَ یَقُوْلُ: اَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَ بَیْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّوْرَةُ صُوْرَةُ اِنْسَانٍ، وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَیَوَانٍ، لَا یَعْرِفُ بَابَ الْهُدٰی فَیَتَّبِعَهٗ، وَ لَا بَابَ الْعَمٰی فیَصُدَّ عَنْهُ، وَ ذٰلِكَ مَیِّتُ الْاَحْیَآءَ!.
﴿فَاَیْنَ تَذْهَبُوْنَ﴾ وَ ﴿اَنّٰی تُؤْفَكُوْنَ﴾! وَ الْاَعْلَامُ قَآئِمَةٌ،وَ الْاٰیَاتُ وَاضِحَةٌ، وَ الْمَنَارُ مَنْصُوْبَةٌ، فَاَیْنَ یُتَاهُ بِكُمْ؟ بَلْ كَیْفَ تَعْمَهُوْنَ وَ بَیْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِیِّكُمْ؟ وَ هُمْ اَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَ اَعْلَامُ الدِّیْنِ، وَ اَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فاَنْزِلُوْهُمْ بِاَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْاٰنِ، وَ رِدُوْهُمْ وُرُوْدَ الْهِیْمِ الْعِطَاشِ.
اَیُّهَا النَّاسُ! خُذُوْهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِیِّیْنَ ﷺ: «اِنَّهٗ یَمُوْتُ مَنْ مَّاتَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِمَیِّتٍ، وَ یَبْلٰی مَنْۢ بَلِیَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِبَالٍ».
فَلَا تَقُوْلُوْا بِمَا لَا تَعْرِفُوْنَ، فَاِنَّ اَكْثَرَ الْحَقِّ فِیْمَا تُنْكِرُوْنَ، وَ اعْذِرُوْا مَنْ لَّا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَیْهِ ـ وَ اَنَا هُوَ ـ.
اَ لَمْ اَعْمَلْ فِیْكُمْ بِالثَّقَلِ الْاَكْبَرِ؟! وَ اَتْرُكْ فِیْكُمُ الثَّقَلَ الْاَصْغَرَ؟! وَ رَكَزْتُ فِیكُمْ رَایَةَ الْاِیْمَانِ، وَ وَقَفْتُكُمْ عَلٰی حُدُوْدِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ، وَ اَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِیَةَ مِنْ عَدْلِیْ، وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوْفَ مِنْ قَوْلِیْ وَ فِعْلِیْ، وَ اَرَیْتُكُمْ كَرَآئِمَ الْاَخْلَاقِ مِنْ نَّفْسِیْ، فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّاْیَ فِیْمَا لَا یُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَ لَا تَتَغَلْغَلُ اِلَیْهِ الْفِكَرُ.
حَتّٰی یَظُنَّ الظَّانُّ اَنَّ الدُّنْیَا مَعْقُوْلَةٌ عَلٰی بَنِیْۤ اُمَیَّةَ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَ تُوْرِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَ لَا یُرْفَعُ عَنْ هٰذِهِ الْاُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لَا سَیْفُهَا، وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذٰلِكَ. بَلْ هِیَ مَجَّةٌ مِّنْ لَّذِیْذِ الْعَیْشِ یَتَطَعَّمُوْنَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ یَلْفِظُوْنَهَا جُمْلَةً!.
خطبة (85): عن حال أولياء الله ونقد علماء الكذبة ([وَ مِنْهَا])
يا عباد الله! وأحب العباد إلى الله من عباده من قويه على مخالفة نفسه. الذي لباسه الداخلي حزن ولباسه الخارجي خوف. وأضاء في قلبه مصباح الهدى، واستعد لليوم الآتي. واعتبر البعيد (الموت) قريبا، وهون على نفسه المشقات. فإذا نظر اكتسب بصيرة ومعرفة. فإذا ذكر (الله) حرص على العمل. وقد روي من ماء الهدى العذب العذب، الذي يصل إلى شاطئه بهداية الله. شربه في أول رشفة وانطلق في طريق سلس. لقد خلع ثوب الشهوات، متحررًا من كل المخاوف الدنيوية، مركزًا على هدف واحد. ويبتعد عن حالة الضلال وطلبات الشهوانية. وأصبح وسيلة لفتح أبواب الهدى، وإغلاق أبواب الهدم والضلال. لقد رأى طريقه وهو يسير عليه. وقد تعرف على المئذنة (الهدى) ووصل إليها عن طريق عبور الأنهار. لقد استوعب الوسائل القوية والدعم القوي. وهو في ذلك النور لليقين مثل ضياء الشمس. وما قام إلا في سبيل الله ليحقق الهدف الأسمى، ويحل كل صعوبة تعترضه بالشكل المناسب، ويرد كل فرع إلى أصله ومصدره.. فهو الذي ينشر النور في الظلام، ويحل المسائل الغامضة، ويحل المشاكل المعقدة، ويزيل الصعوبات، ويهدي في الصحاري الواسعة.. عندما يتكلم يشرح بشكل كامل، وأحياناً يبقى صامتاً عندما يكون الصمت وسيلة الأمان. وبما أنه فعل كل شيء في سبيل الله، فقد جعله الله خاصًا به. فهو معدن دين الله وكالمسمار المغروس في أرضه. وقد أوجب العدل على نفسه، فأول عدله إبعاد الهوى عن نفسه. وعندما يقول الحقيقة فإنه يعمل بها أيضاً. ولا حد للخير إلا وهو قصده، ولا موضع يمكن فيه الخير إلا قصده. وقد أعطى زمام أموره للقرآن. فهو مرشده وقائده. حيث ينزل حمله الثقيل، هناك ينزل مؤنته، وحيث يكون مقصده هناك أيضًا يقيم معسكره. (في المقابل) هناك شخص آخر سمى نفسه (قسرا) عالما، مع أنه ليس عالما. لقد جمع الجهل والضلال من الجهال والضلال، ونشر للناس أفخاخ الخداع وشبكات الباطل.. يحني القرآن لرأيه والحق لهواه. ويزيل الخوف من كبائر الذنوب من قلوب الناس، ويقلل من أهمية كبائر الذنوب. ويقول إنه يتوقف في الشكوك، وهو غارق فيها. ويدعي الابتعاد عن البدع، ولكن نشاطه كله فيها. منظره إنساني وقلبه مثل البهائم. لا يعرف باب الهدى فيصل إليه، ولا يعرف باب الضلالة فيعرض عنه. إنه جثة بين الأحياء. إلى أين تذهب، وإلى أين تتجه؟ وبينما ترتفع رايات الهدى، وتتضح العلامات، وتنصب منارات الحق. أين تضلون، ولماذا تتجولون هنا وهناك؟ وفيكم ذرية نبيكم، الذين هم مقاليد الحق، وأعلام الدين، وألسنة الحق. أعطهم أفضل مكان تفهمه من القرآن، وانزل على ينابيع هداهم كالبعير العطشى. أيها الناس! اسمع هذا قول خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم الذي قال: من مات منا لم يمت، ومن مات منا لا يفنى أبدا. لا تتكلم فيما لا تعرفه، فإن أغلب الحق فيما لا تعرفه. واعتبر معذوراً من لا حجة لك عليه، وهو أنا. ألم أعمل بالوزن الأكبر (القرآن) قبلكم، وأضع فيكم الوزن الأصغر (أهل البيت)؟ غرستُ فيكم راية الإيمان، وحددت حدود الحلال والحرام، وألبستكم ثوب الأمان بعدالتي، وبسطت لكم بساط حسن الخلق بقولي وأفعالي، وآتيكم دائما بأخلاق سليمة.. ولا تجعل رأيك في أشياء لا يستطيع بصرك أن يصل إلى أعماقها، ولا يصل فكرك إلى حدودها. وجزء من هذه الخطبة يتعلق ببني أمية: حتى يظن المتكهنون أن الدنيا ستبقى مرتبطة بتنورة بني أمية، تعطيهم كل منافعها، وتنزلهم إلى نبعها الطاهر، وسيظل سيف هذه الأمة وسوطها على رقابهم وظهورهم.. ومن يعتقد هذا فهو مخطئ. بل ما هي إلا قطرات قليلة من عسل من متع الحياة، يمصونها قليلا، ثم يتلفظونها تماما..
