اَمَّا بَعْدُ! فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِیْ عَلَیْكُمْ حَقًّۢا بِوِلَایَةِ اَمْرِكُمْ، وَ لَكُمْ عَلَیَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِیْ لِیْ عَلَیْكُمْ، فَالْحَقُّ اَوْسَعُ الْاَشْیَآءِ فِی التَّوَاصُفِ، وَ اَضْیَقُهَا فِی التَّنَاصُفِ، لَا یَجْرِیْ لِاَحَدٍ اِلَّا جَرٰی عَلَیْهِ، وَ لَا یَجْرِیْ عَلَیْهِ اِلَّا جَرٰی لَهٗ.
وَ لَوْ كَانَ لِاَحَدٍ اَنْ یَّجْرِیَ لَهٗ وَ لَا یَجْرِیَ عَلَیْهِ، لَكَانَ ذٰلِكَ خَالِصًا لِلّٰهِ سُبْحَانَهٗ دُوْنَ خَلْقِهٖ، لِقُدْرَتِهٖ عَلٰی عِبَادِهٖ، وَ لِعَدْلِهٖ فِیْ كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَیْهِ صُرُوْفُ قَضَآئِهٖ، وَ لٰكِنَّهٗ جَعَلَ حَقَّهٗ عَلَی الْعِبَادِ اَنْ یُّطِیْعُوْهُ، وَ جَعَلَ جَزَآءَهُمْ عَلَیْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِّنْهُ، وَ تَوَسُّعًۢا بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِیْدِ اَهْلُهٗ.
ثُمَّ جَعَلَ ـ سُبْحَانَهٗ ـ مِنْ حُقُوْقِهٖ حُقُوْقًا افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلٰی بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَاُ فِیْ وُجُوْهِهَا، وَ یُوْجِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَ لَا یُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَاۤ اِلَّا بِبَعْضٍ.
وَ اَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ ـ سُبْحَانَهٗ ـ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوْقِ حَقُّ الْوَالِی عَلَی الرَّعِیَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِیَّةِ عَلَی الْوَالِیْ، فَرِیْضَةً فَرَضَهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهٗ ـ لِكُلٍّ عَلٰی كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَامًا لِّاُلْفَتِهِمْ، وَ عِزًّا لِّدِیْنِهِمْ، فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِیَّةُ اِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ اِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِیَّةِ.
فَاِذَاۤ اَدَّتِ الرَّعِیَّةُ اِلَی الْوَالِیْ حَقَّهٗ، وَ اَدَّی الْوَالِیْۤ اِلَیْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَیْنَهُمْ، وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّیْنِ، وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَ جَرَتْ عَلٰۤی اَذْلَالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذٰلِكَ الزَّمَانُ، وَ طُمِعَ فِیْ بَقَآءِ الدَّوْلَةِ، وَ یَئِسَتْ مَطَامِعُ الْاَعْدَآءِ.
وَ اِذَا غَلَبَتِ الرَّعِیَّةُ وَالِیَهَا، اَوْ اَجْحَفَ الْوَالِیْ بِرَعِیَّتِهٖ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَ كَثُرَ الْاِدْغَالُ فِی الدِّیْنِ، وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوٰی، وَ عُطِّلَتِ الْاَحْكَامُ، وَ كَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوْسِ، فَلَا یُسْتَوْحَشُ لِعَظِیْمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَ لَا لِعَظِیْمِ بَاطِلٍ فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْاَبْرَارُ، وَ تَعِزُّ الْاَشْرَارُ، وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَادِ.
فَعَلَیْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِیْ ذٰلِكَ، وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَیْهِ، فَلَیْسَ اَحَدٌ ـ وَ اِنِ اشْتَدَّ عَلٰی رِضَی اللهِ حِرْصُهٗ، وَ طَالَ فِی الْعَمَلِ اجْتِهَادُهٗ ـ بِبَالِغٍ حَقِیْقَةَ مَا اللهُ اَهْلُهٗ مِنَ الطَّاعَةِ لَهٗ، وَ لٰكِنْ مِّنْ وَاجِبِ حُقُوْقِ اللهِ عَلَی الْعِبَادِ النَّصِیْحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَ التَّعَاوُنُ عَلٰۤی اِقَامَةِ الْحَقِّ بَیْنَهُمْ، وَ لَیْسَ امْرُؤٌـ وَ اِنْ عَظُمَتْ فِی الْحَقِّ مَنْزِلَتُهٗ، وَ تَقَدَّمَتْ فِی الدِّیْنِ فَضِیْلَتُهٗ ـ بِفَوْقِ اَنْ یُّعَانَ عَلٰی مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهٖ، وَ لَا امْرُؤٌ ـ وَ اِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوْسُ، وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُیُوْنُ ـ بِدُوْنِ اَنْ یُّعِیْنَ عَلٰی ذٰلِكَ اَوْ یُعَانَ عَلَیْهِ.
اِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللهِ فِیْ نَفْسِهٖ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهٗ مِنْ قَلْبِهٖ، اَنْ یَّصْغُرَ عِنْدَهٗ ـ لِعِظَمِ ذٰلِكَ ـ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَ اِنَّ اَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذٰلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَیْهِ، وَ لَطُفَ اِحْسَانُهٗۤ اِلَیْهِ، فَاِنَّهٗ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلٰۤی اَحَدٍ اِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللهِ عَلَیْهِ عِظَمًا.
وَ اِنَّ مِنْ اَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، اَنْ یُّظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَ یُوْضَعَ اَمْرُهُمْ عَلَی الْكِبْرِ، وَ قَدْ كَرِهْتُ اَنْ یَّكُوْنَ جَالَ فِیْ ظَنِّكُمْ اَنِّیْۤ اُحِبُّ الْاِطْرَآءَ، وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَآءِ، وَ لَسْتُ ـ بِحَمْدِ اللهِ ـ كَذٰلِكَ، وَ لَوْ كُنْتُ اُحِبُّ اَنْ یُّقَالَ ذٰلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا لِلّٰهِ سُبْحَانَهٗ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ اَحَقُّ بِهٖ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِیَآءِ.
وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَی النَّاسُ الثَّنَآءَ بَعْدَ الْبَلَآءِ، فَلَا تُثْنُوْا عَلَیَّ بِجَمِیْلِ ثَنَآءٍ، لِاِخْرَاجِیْ نَفْسِیْۤ اِلَی اللهِ وَ اِلَیْكُمْ مِنَ التَّقِیَّةِ فِیْ حُقُوْقٍ لَّمْ اَفْرُغْ مِنْ اَدَآئِهَا، وَ فَرَآئِضَ لَا بُدَّ مِنْ اِمْضَآئِهَا، فَلَا تُكَلِّمُوْنِیْ بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوْا مِنِّیْ بِمَا یُتَحَفَّظُ بِهٖ عِنْدَ اَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُوْنِیْ بِالْمُصَانَعَةِ، وَ لَا تَظُنُّوْا بِیَ اسْتِثْقَالًا فِیْ حَقٍّ قِیْلَ لِیْ، وَ لَا الْتِمَاسَ اِعْظَامٍ لِّنَفْسِیْ، فَاِنَّهٗ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ اَنْ یُّقَالَ لَهٗۤ اَوِ الْعَدْلَ اَنْ یُّعْرَضَ عَلَیْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَاۤ اَثْقَلَ عَلَیْهِ.
فَلَا تَكُفُّوْا عَنْ مَّقَالَةٍۭ بِحَقٍّ، اَوْ مَشُوْرَةٍۭ بِعَدْلٍ، فَاِنِّیْ لَسْتُ فِیْ نَفْسِیْ بِفَوْقِ اَنْ اُخْطِئَ، وَ لَاۤ اٰمَنُ ذٰلِكَ مِنْ فِعْلِیْ، اِلَّا اَنْ یَّكْفِیَ اللهُ مِنْ نَّفْسِیْ مَا هُوَ اَمْلَكُ بِهٖ مِنِّیْ، فَاِنَّماۤ اَنَا وَ اَنْتُمْ عَبِیْدٌ مَّمْلُوْكُوْنَ لِرَبٍّ لَّا رَبَّ غَیْرُهٗ، یَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ اَنْفُسِنَا، وَ اَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِیْهِ اِلٰی مَا صَلَحْنَا عَلَیْهِ، فَاَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدٰی، وَ اَعْطَانَا الْبصِیْرَةَ بَعْدَ الْعَمٰی.
خطبة (214): وقال عن الحقوق المتبادلة بين الحاكم والرعية (خَطَبَهَا بِصِفِّیْنَ)
وقال في مناسبة صفين:. إن الله سبحانه قد أثبت حقي عليك بأن سلطني على أمرك، فكما أن لي عليك حقا، فإن لك علي حقا.. ومن ثم فإن مجال فقدان الصفات المتبادلة عن الحق كبير، ولكن نطاق إنصاف بعضنا البعض ضيق للغاية.. ولا يكون حقه عليه إلا إذا كان للآخر حقا عليه، ولا يكون حقه عليه إلا إذا كان له حقا عليه، وإذا قدر أن له على غيره حقا وليس لأحد عليه حقا، فإن هذا الأمر خاص به لا لخلقه، لأنه له السلطة الكاملة على عباده.. وفي كل ما صدرت فيه أحكامه فقد عدل (أعطى الحق لكل مالك)، ووضع حقه على عباده في طاعته، ولم يبسط إلا فضله ورحمته وإحسانه الذي هو أهل له.. لقد تم الإعلان عن مكافأتهم المتعددة. ثم ذكر أيضاً حقوق الإنسان التي أعلنها لأحدهما على الآخر. وقد جعلها من حقوقه وسواها فيما بينها، وبعضها سبب للحقوق ولا يجب حتى يثبت الحق عليها، وأعظم الحق ما أوجبه الله تعالى.. الحاكم على الرعية والرعية على المسطرة. وهو ما فرضه الله على كل من الولاة والرعية وجعله سببا للمحبة بينهم وعزة دينهم.. ولذلك لا يمكن للموضوع أن يكون ناجحاً إلا عندما تكون أساليب الحاكم صحيحة ويمكن أيضاً أن يكون الحاكم مزوداً بالحكمة والصواب في نفس الوقت.. فإذا كانت الرعية مستعدة لتنفيذ أوامره، وعندما أدت الرعية حقوق الرعية، وتخلت الرعية من حقوق الرعية، فعزت حقوقهم، وقامت سبل الدين، وقامت علامات العدل، وسارت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعاد الزمن.. ستنشأ الآمال في بقاء الإمبراطورية وسيحل اليأس محل جشع الأعداء.. وعندما تصبح المادة مهيمنة على الحاكم، أو يبدأ الحاكم في قمعها، فسيكون هناك خلاف في كل شيء.. ستظهر علامات القمع. سيكثر الفساد في الدين، وتبطل الشريعة. ستنفذ الرغبات وترفض أوامر الشرع. وستكثر الأمراض النفسية ولن يخاف أحد من إنكار الحق الأعظم واتباع الباطل الأعظم.. وفي مثل هذه المناسبة يذل الأخيار، وتعز الأخلاق السيئة، ويكثر عذاب الله على العباد.. ولذلك لا بد من التعاون الجيد بينكم في أداء هذا الحق، لأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى درجة طاعة الله وعبوديته التي يستطيعها.. مهما كان حريصاً على تحقيق متعها، كما أن جهوده العملية مبالغ فيها.. ومع ذلك فقد أوجب على العباد النصح قدر الإمكان، ومساعدة بعضهم البعض على إقامة الحق بينهم.. ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه في مأمن منه. وأن تكون يده ممدودة لما حمله الله عليه من مسؤولية مهما علا في الحق، ومهما كان من التفوق والتفوق في الدين، ولم يتجاوز أحد ذلك ليتعاون على الحق أو يمد له يد التعاون، ولو كان الناس يرونه ذليلاً ولا ينظرون في أعينهم بسبب احتقاره.. وبهذه المناسبة استجاب أحد أصحابه لصوته ودار معه حديث طويل أثنى فيه على النبي واعترف بالاستماع إلى كلامه والخضوع لكل أوامره.. ثم قال: «من أحس في قلبه عظمة جلال الله وتعظيم الله في قلبه، فإنه يستحق أن يحتقر كل شيء إلا الله في وجه جلاله وجلاله». وفي مثل هؤلاء يكون ذلك الإنسان أحق بها، الذي أنعم عليه بنعم عظيمة وحسنات عظيمة، لأنه كلما عظمت نعم الله على المرء كان حق الله عليه أعظم.. يبدو من غير السار أن تتخيل أنني أحب الاستماع إلى المجاملات.. الحمد لله! ولو شئت أن يفعل ذلك لتواضعت لله وتركته يتبنى هذه العظمة والعظمة التي يستحقها.. فكثيراً ما يعتبر الناس الثناء والثناء بعد العمل الصالح أمراً ممتعاً (لكن) لا تمدحوني على هذا وأنني عيّنت في طاعة الله وحقوقكم.. لأن هناك الآن الخوف من تلك الحقوق التي لم أنتهي من الوفاء بها بعد، ولا يزال هناك الخوف من تلك الواجبات التي يجب تنفيذها.. لا تتحدث معي بهذه الطريقة. ويتم هذا الإكراه على الموضوعات. ولا تنقذني هكذا. كما يتجنب المرء الحكام الظالمين، ولا يعاشرني بطريقة تملق وتملق.. فلا تظن بي أن إذا قال أحد الحق قدامي سأفلت منه، ولا تظن أني سأطلب منك أن تزيدني.. لأن من يقدر قول الحق وتقديم العدالة له. سيكون من الصعب عليه أن يتبع الحقيقة والعدالة. فلا تمنع نفسك من قول الحق ونصح العدالة. ولا أعتبر نفسي فوق ذلك من الخطأ، ولا أعتبر أحداً مني في مأمن من الخطأ. ولكن أعيذ الله نفسي ممن هو أولى به مني. نحن وراتام عبيد هذا الرب الذي ليس رب سواه. لديه الكثير من السلطة علينا. أننا أنفسنا لا نملك هذا القدر من السلطة على نفوسنا. أخرجنا من الحالة الأولى التي كنا عليها، ووضعنا على طريق الرخاء، وأبدل ضلالنا هدى، ورزقنا البصيرة بعد قلة بصيرة..
