خطبة خطبة : 109

خطبة (109): على عابرة العالم

اَمَّا بَعْدُ! فَاِنِّیْۤ اُحَذِّرُكُمُ الدُّنْیَا، فَاِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرِةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَ رَاقَتْ بِالْقَلِیْلِ، وَ تَحَلَّتْ بِالْاٰمَالِ، وَ تَزَیَّنَتْ بِالْغُرُوْرِ، لَا تَدُوْمُ حَبْرَتُهَا، وَ لَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا، غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَآئِلَةٌ زَآئِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَآئِدَةٌ، اَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ، لَا تَعْدُوْـ اِذَا تَنَاهَتْ اِلٰۤی اُمْنِیَّةِ اَهْلِ الرَّغْبَةِ فِیْهَا وَ الرِّضَآءِ بِهَا ـ اَنْ تَكُوْنَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالٰی سُبْحَانَهٗ: ﴿كَمَآءٍ اَنْزَلْنٰهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهٖ نَبَاتُ الْاَرْضِ فَاَصْبَحَ هَشِیْمًا تَذْرُوْهُ الرِّیٰحُ ؕ وَ كَانَ اللّٰهُ عَلٰی كُلِّ شَیْءٍ مُّقْتَدِرًا۝﴾.
لَمْ یَكُنِ امْرُؤٌ مِّنْهَا فِیْ حَبْرَةٍ اِلَّاۤ اَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً، وَ لَمْ یَلْقَ مِنْ سَرَّآئِهَا بَطْنًا اِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّآئِهَا ظَهْرًا، وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِیْهَا دِیْمَةُ رَخَآءٍ اِلَّا هَتَنَتْ عَلَیْهِ مُزْنَةُ بَلَآءٍ، وَ حَرِیٌّ اِذَا اَصْبَحَتْ لَهٗ مُنْتَصِرَةً اَنْ تُمْسِیَ لَهٗ مُتَنَكِّرَةً، وَ اِنْ جَانِبٌ مِّنْهَا اعْذَوْذَبَ وَ احْلَوْلٰی، اَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَاَوْبٰی.
لَا یَنَالُ امْرُؤٌ مِّنْ غَضَارَتِهَا رَغَبًا، اِلَّاۤ اَرْهَقَتْهُ مِنْ نَّوَآئِـبِهَا تَعَبًا، وَ لَا یُمْسِیْ مِنْهَا فِیْ جَنَاحِ اَمْنٍ، اِلَّاۤ اَصْبَحَ عَلٰی قَوَادِمِ خَوْفٍ، غَرَّارَةٌ غُرُوْرٌ مَّا فِیْهَا، فَانِیَةٌ فَانٍ مَّنْ عَلَیْهَا، لَا خَیْرَ فِیْ شَیْءٍ مِّنْ اَزْوَادِهَا اِلَّا التَّقْوٰی، مَنْ اَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا یُؤْمِنُهٗ، وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا یُوْبِقُهٗ، وَ زَالَ عَمَّا قَلِیْلٍ عَنْهُ.
كَمْ مِّنْ وَّاثِقٍۭ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ، وَ ذِیْ طُمَاْنِیْنَةٍ اِلَیْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ، وَ ذِیْۤ اُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِیْرًا، وَ ذِیْ نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِیْلًا، سُلْطَانُهَا دُوَلٌ، وَ عَیْشُهَا رَنِقٌ، وَ عَذْبُهَا اُجَاجٌ، وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ، وَ غِذَآؤُهَا سِمَامٌ، وَ اَسْبَابُهَا رِمَامٌ، حَیُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ، وَ صَحِیْحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ، مُلْكُهَا مَسْلُوْبٌ، وَ عَزِیْزُهَا مَغْلُوبٌ، وَ مَوْفُوْرُهَا مَنْكُوْبٌ، وَ جَارُهَا مَحْرُوْبٌ.
اَلَسْتُمْ فِیْ مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اَطْوَلَ اَعْمَارًا، وَ اَبْقٰۤی اٰثَارًا، وَ اَبْعَدَ اٰمَالًا، وَ اَعَدَّ عَدِیْدًا، وَ اَكْثَفَ جُنُوْدًا، تَعَبَّدُوْا لِلدُّنْیَا اَیَّ تَعَبُّدٍ، وَاٰثَرُوْهَا اَیَّ اِیْثَارٍ، ثُمَّ ظَعَنُوْا عَنْهَا بِغَیْرِ زَادٍ مُّبَلِّغٍ وَّ لَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ؟ فَهَلْ بَلَغَكُمْ اَنَّ الدُّنْیَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْسًۢا بِفِدْیَةٍ؟ اَوْ اَعَانَتْهُمْ بِمَعُوْنَةٍ؟ اَوْ اَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً‍‍؟ بَلْ اَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ، وَ اَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ، وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَآئِبِ، وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَ اَعَانَتْ عَلَیْهِمْ ﴿رَیْبَ الْمَنُوْنِ۝﴾، فَقَدْ رَاَیْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَ اٰثَرَهَا وَ اَخْلَدَ اِلَیْهَا، حَتّٰی ظَعَنُوْا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْاَبَدِ. وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ اِلَّا السَّغَبَ؟ اَوْ اَحَلَّتْهُمْ اِلَّا الضَّنْكَ؟ اَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ اِلَّا الظُّلْمَةَ؟ اَوْ اَعْقَبَتْهُمْ اِلَّا النَّدَامَةَ؟ اَفَهٰذِهٖ تُؤْثِرُوْنَ؟ اَمْ اِلَیْهَا تَطْمَئِنُّوْنَ؟ اَمْ عَلَیْهَا تَحْرِصُوْنَ؟.
فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَّمْ یَتَّهِمْهَا، وَ لَمْ یَكُنْ فِیْهَا عَلٰی وَجَلٍ مِّنْهَا، فَاعْلَمُوْا ـ وَ اَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ ـ بِاَنَّكُمْ تَارِكُوْهَا وَ ظَاعِنُوْنَ عَنْهَا، وَ اتَّعِظُوْا فِیْهَا بِالَّذِیْنَ ﴿قَالُوْا مَنْ اَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؕ ﴾، حُمِلُوْا اِلٰی قُبُوْرِهِمْ فَلَا یُدْعَوْنَ رُكْبَانًا، وَ اُنْزِلُوْا الْاَجْدَاثَ فَلَا یُدْعَوْنَ ضِیْفَانًا، وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِیْحِ اَجْنَانٌ، وَ مِنَ التُّرَابِ اَكْفَانٌ، وَ مِنَ الرُّفَاتِ جِیْرَانٌ.
فَهُمْ جِیْرَةٌ لَّا یُجِیْبُوْنَ دَاعِیًا، وَ لَا یَمْنَعُوْنَ ضَیْمًا، وَ لَا یُبَالُوْنَ مَنْدَبَةً، اِنْ جِیْدُوْا لَمْ یَفْرَحُوْا، وَ اِنْ قُحِطُوْا لَمْ یَقْنَطُوْا، جَمِیْعٌ وَّ هُمْ اٰحَادٌ، وَ جِیْرَةٌ وَّ هُمْ اَبْعَادٌ، مُتَدَانُوْنَ لَا یَتَزَاوَرُوْنَ، وَ قَرِیْبُوْنَ لَا یَتَقَارَبُوْنَ، حُلَمَآءُ قَدْ ذَهَبَتْ اَضْغَانُهُمْ، وَ جُهَلَآءُ قَدْ مَاتَتْ اَحْقَادُهُمْ، لَا یُخْشٰی فَجْعُهُمْ، وَ لَا یُرْجٰی دَفْعُهُمْ.
اِسْتَبْدَلُوْا بِظَهْرِ الْاَرْضِ بَطْنًا، وَ بِالسَّعَةِ ضِیْقًا، وَ بِالْاَهْلِ غُرْبَةً، وَ بِالنُّوْرِ ظُلْمَةً، فَجَآؤُوْهَا كَمَا فَارَقُوْهَا، حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوْا عَنْهَا بِاَعْمَالِهِمْ اِلَی الْحَیَاةِ الدَّآئِمَةِ وَ الدَّارِ الْبَاقِیَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهٗ: ﴿كَمَا بَدَاْنَاۤ اَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِیْدُهٗ ؕ وَعْدًا عَلَیْنَا ؕ اِنَّا كُنَّا فٰعِلِیْنَ۝﴾.

وأحذركم الدنيا فإنها حلوة طيبة، عذبة خضراء. لقد أحاطت به الرغبات الجسدية. يحبب إلى الناس لسرعة توفر بركته، ويرغبهم في القليل منه.. وهي مُزيَّنة بالآمال، ومُزيَّنة بالخداع والتدليس. فلا أفراحها تدوم، ولا يمكن الاكتفاء بمصائبها المفاجئة. إنها خادعة، ضارة، متغيرة، وهالكة، تنتهي، وتختفي، ويلتهم ويهلك. فإذا وصل إلى غاية رغبات من يميل إليه ويسعد به، فهو فقط ما وصفه الله تعالى: (مثل الحياة الدنيا) كمثل ماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، ثم جف وأصبح حطاما تذريه الرياح، وكان الله على كل شيء قديرا. من استمتع برفاهية الدنيا تدفقت دموعه بعدها، ومن نظر إلى وجه مباهج الدنيا دفعته إلى المصائب وظهرت له بردها.. ومن أصابه رشات خفيفة من مطر الراحة واليسر، هطلت عليه أيضًا سيول كثيرة من البلاء والبلاء.. يليق بالدنيا أن تصبح في الصباح صديقًا لأحد وتنتقم له، وفي المساء كأن لا معرفة. فإذا كان أحد طرفيه حلوًا وممتعًا، كان الجانب الآخر مرًا وكريهًا. ومن حقق له رغبة من عذبة الدنيا جلبت عليه نكبات المصائب. ومن أمسى على أجنحة الأمن والأمان، أشرق عليه الصباح على أجنحة الخوف. إنه خادع، وكل شيء فيه خادع. فهو نفسه سوف يهلك، ومن يعيش فيه أيضًا هالك. ولا يوجد في أي من أحكامه مجد الأمن والوعي بالله. ومن قل نصيبه زاد في أسباب الراحة لنفسه. ومن جمع أكثر من الدنيا زاد على نفسه المهلكات. (على الرغم من) عليه أن ينفصل عن ثروته وممتلكاته قريبا. فكم من إنسان وثق بالدنيا فأوقعته في المصائب. وكم من قاعدٍ راضٍ بها أسقطته، وكم من ذي هيبةٍ وعظمةٍ جعلته وضيعاً وخسيساً، وكم من متكبرٍ ومتكبرٍ فحطَّت وتركته.. ملكوتها شيء ينتقل من يد إلى يد، ومصدرها كدر، وماؤها الطيب مالح، وحلاوتها مرة كالصبر، وغذاؤها سم قاتل، وأسبابها ووسائلها ضعيفة.. من بقي على قيد الحياة مهدد بالهلاك، والأصحاء يواجهون الأمراض. سوف يُنزع سلطانه، وسيصبح قويه تابعًا، وسيتعذب الغني بالمصائب، ويُنهب الجار. أما تسكنون في بيوت السابقين الذين طال عمرهم، بآيات باقية، معقودون بآمال عظيمة، بكثرة عددهم وجيوش كثيرة؟ وكيف عبدوا الدنيا على أنواعها، وكيف فضلوها على الآخرة. ثم انصرفوا دون أي زاد ولا مطية تسلكهم في الطريق إلى الوجهة. هل وصلكم خبر أن العالم قدم لهم فدية، أو أرسل لهم أي مساعدة، أو أحسن إليهم؟ بل حطمت عليهم جبالاً من المصائب، وجعلتهم عاجزين مهزومين بآلام متكررة، وهزتهم بالمصاعب العائدة، وطرحتهم على التراب، وسحقتهم بحوافرها، وساعدت أحداث الدهر عليهم.. وقد رأيت أن من مال إلى الدنيا قليلا واعتمدها وتمسك بها، اتخذ الغرابة عنهم حتى انفصلوا عنها إلى الأبد ورحلوا، ولم يرزقهم إلا الجوع، ولا مسكن إلا مكان ضيق، ولا نور إلا ظلام دامس، ولا نتيجة إلا الندم.. فهل تفضل هذه الدنيا أم تكتفي بها أم تموت من أجلها؟ ومن لم يبقى مرتاباً من الدنيا ويعيش فيها بلا خوف ولا خطر، فهذه دار السوء له. اعلم، وقد تعلم بالفعل، أنه عليك (في يوم أو آخر) أن تترك العالم، وترحل من هنا. خذوا العبرة بهؤلاء الذين كانوا يقولون: من أعظم منا قوة وقدرة؟ لقد تم نقلهم إلى القبور، ولكن ليس بطريقة تعتبرهم فرسانًا. لقد وضعوا في القبور، لكن لا يطلق عليهم ضيوف. وبنيت قبورهم بالحجارة ووضعت عليها أكفان من التراب. إنهم جيران لا يجيبون الداعي، ولا يمنعون المظالم، ولا يبالون بالباكين والعويلين.. إذا أمطر عليهم السحاب لا يفرحون وإذا جاءهم الجوع لم يعمهم اليأس. إنهم في مكان واحد، ولكن منفصلين. إنهم جيران لبعضهم البعض، ولكن متباعدون. إنهم قريبون، لكن لا يوجد لقاء. إنهم قريبون، لكنهم لا يصلون إلى بعضهم البعض. إنهم يكذبون كأعباء غير مدركين. وانتهت عداوتهم وعدائهم، ومحيت الأحقاد. فلا خوف عليهم من أي ضرر، ولا توقع إزالة أي مشكلة. لقد استبدلوا الجزء العلوي من الأرض بالباطن، والسعة والعرض بالضيق، والمسكن والمسكن بالبرية، والنور بالظلمة.. وكما ولدوا حفاة عراة، فقد أصبحوا (مدفونين) في الأرض، وخرجوا من هذا العالم لا يحملون إلا الأعمال نحو الحياة الأبدية والدار الأبدية.. كما قال الله تعالى: "كما خلقنا الخلق أول مرة نخلقهم مرة أخرى".. إن الوفاء بهذا الوعد هو مسؤوليتنا، وسوف نفي به بالتأكيد..