اَمْرُهٗ قَضَآءٌ وَّ حِكْمَةٌ، وَ رِضَاهُ اَمَانٌ وَ رَحْمَةٌ، یَقْضِیْ بِعِلْمٍ، وَ یَعْفُوْ بِحِلْمٍ.
اَللّٰهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلٰی مَا تَاْخُذُ وَ تُعْطِیْ، وَ عَلٰی مَا تُعَافِیْ وَ تَبْتَلِیْ،حَمْدًا یَّكُوْنُ اَرْضَی الْحَمْدِ لَكَ، وَ اَحَبَّ الْحَمْدِ اِلَیْكَ، وَ اَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ، حَمْدًا یَّمْلَاُ مَا خَلَقْتَ، وَ یَبْلُغُ مَاۤ اَرَدْتَّ، حَمْدًا لَّا یُحْجَبُ عَنْكَ، وَ لَا یُقْصَرُ دُوْنَكَ، حَمْدًا لَّا یَنْقَطِعُ عَدَدُهٗ، وَ لَا یَفْنٰی مَدَدُهٗ.
فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ اِلَّاۤ اَنَّا نَعْلَمُ اَنَّكَ حَیٌّ قَیُّوْمٌ، لَا تَاْخُذُكَ سِنَةٌ وَّ لَا نَوْمٌ، لَمْ یَنْتَهِ اِلَیْكَ نَظَرٌ، وَ لَمْ یُدْرِكْكَ بَصَرٌ، اَدْرَكْتَ الْاَبْصَارَ، وَ اَحْصَیْتَ الْاَعْمَارَ، وَ اَخَذْتَ بِالنَّواصِیْ وَ الْاَقْدَامِ، وَ مَا الَّذِیْ نَرٰی مِنْ خَلْقِكَ، وَ نَعْجَبُ لَهٗ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَ نَصِفُهٗ مِنْ عَظِیْمِ سُلْطَانِكَ، وَ مَا تَغَیَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَ قَصُرَتْ اَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَ انْتَهَتْ عُقُوْلُنَا دُوْنَهٗ، وَ حَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُیُوْبِ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهٗۤ اَعْظَمُ.
فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهٗ، وَ اَعْمَلَ فِكْرَهٗ، لِیَعْلَمَ كَیْفَ اَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَ كَیْفَ ذَرَاْتَ خَلْقَكَ، وَ كَیْفَ عَلَّقْتَ فِی الْهَوَآءِ سَمٰوٰتِكَ، وَ كَیْفَ مَدَدْتَ عَلٰی مَوْرِ الْمَآءِ اَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهٗ حَسِیْرًا، وَ عَقْلُهٗ مَبْهُوْرًا، وَ سَمْعُهٗ وَالِهًا، وَ فِكْرُهٗ حَآئِرًا.
یَدَّعِیْ بِزَعْمِهٖۤ اَنَّهٗ یَرْجُو اللهَ، كَذَبَ وَ الْعَظِیْمِ! مَا بَالُهٗ لَا یَتَبَیَّنُ رَجَآؤُهٗ فِیْ عَمَلَهٖ؟ فَكُلُّ مَنْ رَّجَا عُرِفَ رَجَآؤُهٗ فِیْ عَمَلِهٖ، وَ كُلُّ رَجَآءٍ ـ اِلَّا رَجَآءَ اللهِ تَعَالٰی ـ فَاِنَّهٗ مَدْخُوْلٌ، وَ كُلُّ خَوْفٍ مُّحَقَّقٌ، اِلَّا خَوْفَ اللهِ فَاِنَّهٗ مَعْلُوْلٌ، یَرْجُو اللهَ فِی الْكَبِیْرِ، وَ یَرْجُو الْعِبَادَ فِی الصَّغِیْرِ، فَیُعْطِی الْعَبْدَ مَا لَا یُعْطِی الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَآؤُهٗ یُقَصَّرُ بِهٖ عَمَّا یُصْنَعُ بِهٖ لِعِبَادِهٖ؟
اَ تَخَافُ اَنْ تَكُوْنَ فِیْ رَجَآئِكَ لَهٗ كَاذِبًا؟ اَوْ تَكُوْنَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَآءِ مَوْضِعًا؟ وَكَذٰلِكَ اِنْ هُوَ خَافَ عَبْدًا مِّنْ عَبِیْدِهٖ، اَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهٖ مَا لَا یُعْطِیْ رَبَّهٗ، فَجَعَلَ خَوْفَهٗ مِنَ الْعِبَادِ نَقْدًا، وَ خَوْفَهٗ مِنْ خَالِقِهٖ ضِمَارًا وَّ وَعْدًا، وَ كَذٰلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْیَا فِیْ عَیْنِهٖ، وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهٖ، اٰثَرَهَا عَلَی اللهِ تَعَالٰی، فَانْقَطَعَ اِلَیْهَا، وَ صَارَ عَبْدًا لَّهَا.
وَ لَقَدْ كَانَ فِیْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ كَافٍ لَّكَ فِی الْاُسْوَةِ، وَ دَلِیْلٌ لَّكَ عَلٰی ذَمِّ الدُّنْیَا وَ عَیْبِهَا، وَ كَثْرَةِ مَخَازِیْهَا وَ مَسَاوِیْهَا، اِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ اَطْرَافُهَا، وَ وُطِّئَتْ لِغَیْرِهٖ اَكْنَافُهَا، وَ فُطِمَ عَنْ رَّضَاعِهَا، وَ زُوِیَ عَنْ زَخَارِفِهَا.
وَ اِنْ شِئْتَ ثَنَّیْتُ بِمُوْسٰی كَلِیْمِ اللهِ ؑ اِذْ یَقُوْلُ: ﴿رَبِّ اِنِّیْ لِمَاۤ اَنْزَلْتَ اِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقِیْرٌ﴾، وَاللهِ١ مَا سَئَلَهٗۤ اِلَّا خُبْزًا یَّاْكُلُهٗ، لِاَنَّهٗ كَانَ یَاْكُلُ بَقْلَةَ الْاَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرٰی مِنْ شَفِیْفِ صِفَاقِ بَطْنِهٖ، لِهُزَالِهٖ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهٖ.
وَ اِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوٗدَ ؑ صَاحِبِ الْمَزَامِیْرِ، وَ قَارِئِ اَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ یَعْمَلُ سَفَآئِفَ الْخُوْصِ بِیَدِهٖ، وَ یَقُوْلُ لِجُلَسَآئِهٖ: اَیُّكُمْ یَكْفِیْنِیْ بَیْعَهَا! وَ یَاْكُلُ قُرْصَ الشَّعِیْرِ مِنْ ثَمَنِهَا.
وَ اِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِیْ عِیْسَی بْنِ مَرْیَمَ ؑ، فَلَقَدْ كَانَ یَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَ یَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَ كَانَ اِدَامُهُ الْجُوْعَ، وَ سِرَاجُهٗ بِاللَّیْلِ الْقَمَرَ، وَ ظِلَالُهٗ فِی الشِّتَآءِ مَشَارِقَ الْاَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا، وَ فَاكِهَتُهٗ وَ رَیْحَانُهٗ مَا تُنْۢبِتُ الْاَرْضُ لِلْبَهَآئِمِ، وَ لَمْ تَكُنْ لَّهٗ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهٗ، وَ لَا وَلَدٌ یَّحْزُنُهٗ، وَ لَا مَالٌ یَّلْفِتُهٗ، وَ لَا طَمَعٌ یُّذِلُّهٗ، دَآبَّتُهٗ رِجْلَاهُ، وَ خَادِمُهٗ یَدَاهُ!.
فَتَاَسَّ بِنَبِیِّكَ الْاَطْیَبِ الْاَطْهَرِ- ﷺ، فَاِنَّ فِیْهِ اُسْوَةً لِّمَنْ تَاَسّٰی، وَ عَزَآءً لِّمَنْ تَعَزّٰی ــ وَ اَحَبُّ الْعِبَادِ اِلَی اللهِ الْمُتَاَسِّیْ بِنَبِیِّهٖ، وَ الْمُقْتَصُّ لِاَثَرِهٖ ـ قَضَمَ الدُّنْیَا قَضْمًا، وَ لَمْ یُعِرْهَا طَرْفًا، اَهْضَمُ اَهْلِ الدُّنْیَا كَشْحًا، وَ اَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْیَا بَطْنًا، عُرِضَتْ عَلَیْهِ الدُّنْیَا فَاَبٰی اَنْ یَّقْبَلَهَا، وَ عَلِمَ اَنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗۤ اَبْغَضَ شَیْئًا فَاَبْغَضَهٗ، وَ حَقَّرَ شَیْئًا فَحَقَّرَهٗ، وَ صَغَّرَ شَیْئًا فَصَغَّرَهٗ. وَلَوْ لَمْ یَكُنْ فِینَاۤ اِلَّا حُبُّنَا مَاۤ اَبْغَضَ اللهُ وَ رَسُوْلُهٗ، وَ تَعْظِیْمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ وَ رَسُوْلُهٗ، لَكَفٰی بِهٖ شِقَاقًا لِلّٰهِ، وَ مُحَادَّةً عَنْ اَمْرِ اللهِ.
وَ لَقَدْ كَانَ- ﷺ یَاْكُلُ عَلَی الْاَرْضِ، وَ یَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَ یَخْصِفُ بِیَدِهٖ نَعْلَهٗ، وَ یَرْقَعُ بِیَدِهٖ ثَوْبَهٗ، وَ یَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِیَ، وَ یُرْدِفُ خَلْفَهٗ، وَ یَكُوْنُ السِّتْرُ عَلٰی بَابِ بَیْتِهٖ فَتَكُوْنُ فِیْهِ التَّصَاوِیْرُ فَیَقُوْلُ: «یَا فُلَانَةُ! ـ لِاِحْدٰۤی اَزْوَاجِهٖ ـ غَیِّبِیْهِ عَنِّیْ، فَاِنِّیْۤ اِذَا نَظَرْتُ اِلَیْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْیَا وَ زَخَارِفَهَا».
فَاَعْرَضَ عَنِ الدُّنْیَا بِقَلْبِهٖ، وَ اَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَّفْسِهٖ، وَ اَحَبَّ اَنْ تَغِیْبَ زِیْنَتُهَا عَنْ عَیْنِهٖ، لِكَیْلَا یَتَّخِذَ مِنْهَا رِیَاشًا، وَ لَا یَعْتَقِدَهَا قَرَارًا، وَ لَا یَرْجُوْ فِیْهَا مُقَامًا، فَاَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَ اَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَ غَیَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ. وَ كَذٰلِكَ مَنْ اَبْغَضَ شَیْئًا اَبْغَضَ اَنْ یَّنْظُرَ اِلَیْهِ، وَ اَنْ یُّذْكَرَ عِنْدَهٗ.
وَ لَقَدْ كَانَ فِیْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ مَا یَدُلُّكَ عَلٰی مَسَاوِی الدُّنْیَا وَ عُیُوْبِهَا: اِذْ جَاعَ فِیْهَا مَعَ خَاصَّتِهٖ، وَ زُوِیَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِیْمِ زُلْفَتِهٖ.
فَلْیَنْظُرْ نَاظِرٌۢ بِعَقْلِهٖ: اَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّدًۢا بِذٰلِكَ اَمْ اَهَانَهٗ؟! فَاِنْ قَالَ: اَهَانَهٗ، فَقَدْ كَذَبَ وَ اَتٰى بِالْاِفْكِ الْعَظِیْمِ، وَ اِنْ قَالَ: اَكْرَمَهٗ، فَلْیَعْلَمْ اَنَّ اللهَ قَدْ اَهَانَ غَیْرَهٗ حَیْثُ بَسَطَ الدُّنْیَا لَهٗ، وَ زَوَاهَا عَنْ اَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ.
فَتَاَسّٰی مُتَاَسٍّۭ بِنَبِیِّهٖ، وَ اقْتَصَّ اَثَرَهٗ، وَ وَلَجَ مَوْلِجَهٗ، وَ اِلَّا فَلَا یَاْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَاِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّدًا -ﷺ عَلَمًا لِلسَّاعَةِ، وَ مُبَشِّرًۢا بِالْجَنَّةِ، وَ مُنْذِرًۢا بِالْعُقُوْبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْیَا خَمِیْصًا، وَ وَرَدَ الْاٰخِرَةَ سَلِیْمًا، لَمْ یَضَعْ حَجَرًا عَلٰی حَجَرٍ، حَتّٰی مَضٰی لِسَبِیْلِهٖ، وَ اَجَابَ دَاعِیَ رَبِّهٖ.
فَمَاۤ اَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِیْنَ اَنْعَمَ عَلَیْنَا بِهٖ سَلَفًا نَتَّبِعُهٗ، وَ قَآئِدًا نَّطَاُ عَقِبَهٗ! وَاللهِ! لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِیْ هٰذِهٖ حَتَّی اسْتَحْیَیْتُ مِنْ رَّاقِعِهَا، وَ لَقَدْ قَالَ لِیْ قَآئِلٌ: اَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّیْ، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ یَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرٰی!.
خطبة (158): وصف رب العالمين والخوف والرجاء وسيرة الأنبياء وحال ثوب أمير المؤمنين ([مِنْهَا])
أمره حاسم حكيم، ورضاه أمن ورحمة. يقضي بعلمه، ويغفر بحلمه. يا الله! ولك الحمد والثناء على ما أعطيت، وما أعطيت، وما اشفيته، وما ابتليت به.. هذا الحمد الذي يرضيك غاية الرضا، ويحبب إليك غاية الثناء، وأعظم من كل حمد لك. هذا التسبيح الذي يملأ الكون ويبلغ حد ما أردت. الحمد الذي ليس قبل الوصول إلى حضرتك حجاب، ولا حاجز له. مثل هذا الثناء الذي لا ينقطع عدده، ولا تنتهي سلسلته. ولا نعلم حقيقة عظمتك وعظمتك إلا أنك أنت الحي الفعال. لا يأتيك سبٌ ولا نوم. لا يصلك خيط البصر، ولا تراك الأبصار. قبضت الأبصار، ووسعت العصور، وأخذت شعر الجبين (وضمتها بالقدمين). ما هذا خلقك الذي نراه، ونتعجب من قدرتك فيه، ونحمده على عظيم سلطانك، والحقيقة أن تلك التي تغيب عن أبصارنا، وتعجز عنها أبصارنا، وتتحير العقول، وبيننا وبينها حجب العيوب، أعظم بكثير.. من أراد أن يعلم كيف استويت العرش، وكيف خلقت الخلق، وكيف علقت السماوات في الفضاء، وكيف بسطت الأرض على أمواج الماء، بتفريغ قلبه والتفكر، عادت عيناه متعبتين، وغلب العقل، وأذنيه ذهولاً حائراً، وفكراً ضالاً ضالاً.. ومن هذه الخطبة: أنه يصبح مدعيا في ظنه أن طرف أمله معلق بالله.. إنه والله تعالى كذاب. (فإذا كان الأمر كذلك) فلماذا لا يظهر انعكاس هذا الرجاء في أعماله، وفي أعمال كل أمل يعرف معرفة الرجاء؟ إلا ذلك الرجاء بالله فإن ذلك فيه عيب، وكل خوف ورعب له واقع ثابت. لكن الخوف من الله غير مؤكد. يرجو من الله أكبر وأصغر من العباد، ومع ذلك فإن تواضعه مع العباد لا يحافظ عليه مع الله.. فما بالكم لا يُفعل في حق الله مثل ما يُفعل بالعباد؟ فهل خشيت يوما أن تكون كاذبا في هذه الآمال؟ أم أنك لا تعتبره مكان الرجاء؟ وكذلك من خاف عبداً من عباده صورة الخوف التي يتخذها عليه، فإنه لا يتخذ هذه الصورة على الله.. لقد جعل الخوف من البشر نقدا وما الخوف من الله إلا تأجيل ووعد. وكذلك من رأت عينه الدنيا تعظم، ويزداد عظمتها وقيمتها في قلبه، فإنه يؤثرها على الله ويتوجه إليها ويبقى عبدا لها.. يكفيك في الاتباع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفعله، وجوهره دليل على تبيان عيوب الدنيا ومساوئها وشرورها الكثيرة.. فقد جمعت منها أذيال الدنيا، وأتيحت لأطرافها آخرين، وفطم لبنه، وتحول وجهه عن زينته. وإن أردت مثالاً آخر، فموسى المتكلم مع الله الذي قال لربه: يا رب! مهما كانت البركة الصغيرة التي ترسلها في هذا الوقت، فأنا في حاجة إليها». والله ما سألوا إلا الخبز ليأكلوا. إذ كانوا يأكلون خضر الأرض، ومن الهزال واللحم في البدن، كانت خضرة الخضر تظهر من جلد بطونهم الرقيق.. وإن شئت فاضرب المثل الثالث لداود (عليه السلام) صاحب الزبور وقارئ أهل الجنة. وكانوا يصنعون بأيديهم السلال من جريد النخل، ويقولون لأصحابهم: من يبيعها منكم فيعينني؟ ( ومهما كان ثمنهم كانوا يأكلون منه خبز الشعير ).. إن شئت أخبرت بحال عيسى بن مريم، الذين كانوا يتخذون وسادة من حجر (تحت الرأس)، ويلبسون الثياب الخشنة والخشنة، وفي (الأكل) بدل الكاري الجوع، وبدل سراج الليل القمر، وفي الشتاء بدل الظل، (على رؤوسهم) مظلة الأرض شرقها وغربها، والأرض التي تنبت العشب وعلف الأنعام كانت لهم الفواكه والزهور.. لم يكن لهم زوجات تدخلهم في الدنيا، ولا أولاد يكونون لهم هماً وحزناً، ولا أموالاً وأموالاً تلفت انتباههم، ولا طمعاً يشينهم.. كان جبلهم رجليهم وعبدهم يديهما. اتبعوا نبيكم الطاهر النظيف، فإن جوهره التشجيع للمتبع. ومن تبعهم ومشى على آثارهم فهو أحب إلى الله. أولئك الذين ذاقوا الدنيا (فقط بقدر الحاجة) ولم ينظروا إليها بعين النظر، كانوا أكثر الناس خواء بطونًا وبطونًا في العالم. فلما عرضت عليهم الدنيا أبوا أن يقبلوها، وعلموا أن الله قد استهان بالشيء سخروه، وإذا استصغر الله شيئا سخروه، وإذا استهانوا بالشيء سخروه.. لو لم يكن لدينا إلا هذا الشيء الواحد، وهو أن نبدأ في تمني ما استهان به الله والرسول، وسوء ما استصغروه، فهذا يكفي لمعصية الله والخروج عن أمره.. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل جالسا على الأرض، ويقعد مثل العبيد. كانوا يصلحون نعالهم بأيديهم، ويصلحون ثيابهم بأيديهم، وكانوا يركبون الحمار بلا رحل، وكانوا يجلسون خلفهم. على باب المنزل (مرة واحدة) كان هناك ستارة بداخلها صور. فخاطب بعض نسائه فقال: انزعيه عن عيني. فإذا وقعت عيني عليها تذكرت الدنيا وزينتها. لقد صرف قلبه عن الدنيا، ومحا حتى ذكراها من نفسه، وأراد أن تظل زينتها مخفية عن الأعين، فلا ينال منها ثيابًا فاخرة، ولا يعتبرها مقصده، ولا يتمنى البقاء فيها كثيرًا.. لقد نزع فكرها من النفس، ونزعها من القلب، وأخفاها عن الأعين. وكذلك من رأى شيئا سيئا فلا يريد أن يراه ولا يريد أن يسمع ذكره. إن في رسول الله (صلى الله عليه وآله) (العادات والصفات) أشياء تخبرك بعيوب الدنيا وعيوبها. وكان يبقى جائعا في الدنيا مع خاصته، وعلى الرغم من قربه الشديد من المكانة، إلا أن زينتها أبعدت عنهم.. وينبغي للناظر أن يرى بنور العقل هل زادهم الله عزا أم أهانهم بعدم إعطائهم الدنيا. فمن قال إنه أهانهم فقد كذب وبهتانا عظيما، ومن قال إنه زاد عزا فليعلم أن الله أظهر ذل غيره وأعطاهم أقصى الدنيا، وصرف وجهها عن أقرب عباده.. وعلى التابع أن يتبعهم ويسير على آثارهم ويصل إلى وجهتهم، وإلا فلا يسلم من الهلاك. فإن الله جعلهم علامة القيامة، ومبشرين بالجنة، ومحذرين من العذاب.. ترك الدنيا جائعاً وبلغ الآخرة بالسلامة. ولم يضع حجرا على حجر للبناء. حتى سلك طريق الآخرة وقال لصوت الداعي إلى الله: «ها أنا ذا».. ما أعظم فضل الله علينا أن منّ علينا بنعمة عظيمة كسابق وقائد نقتدي به ونسير خطوة بخطوة (في اتباعهم).. والله لقد رقعت قميصي هذا حتى أصبحت أخجل من الرقع. فقال لي أحد المتحدثين: ألا تخلعه؟ فقلت له: اذهب عني، فإنه لا يدرك الناس قيمة مشيه الليل إلا حين يصبح، فيحمدون ذلك..
