بَعَثَهٗ بِالنُّوْرِ الْمُضِیْٓءِ، وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِیِّ، وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِیْ، وَ الْكِتَابِ الْهَادِیْ. اُسْرَتُهٗ خَیْرُ اُسْرَةٍ، وَ شَجَرَتُهٗ خَیْرُ شَجَرَةٍ، اَغصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَ ثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهٗ بِمَكَّةَ، وَ هِجْرَتُهٗ بِطَیْبَةَ، عَلَا بِهَا ذِكْرُهٗ، وَ امْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهٗ.
اَرْسَلَهٗ بِحُجَّةٍ كَافِیَةٍ، وَ مَوْعِظَةٍ شَافِیَةٍ، وَ دَعْوَةٍ مُّتَلَافِیَةٍ. اَظْهَرَ بِهِ الشَّرآئِعَ الْمَجْهُوْلَةَ، وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُوْلَةَ، وَ بَیَّنَ بِهِ الْاَحْكَامَ الْمَفْصُوْلَةَ. فَـ ﴿مَنْ یَّبْتَغِ غَیْرَ الْاِسْلَامِ دِیْنًا﴾ تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهٗ، وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهٗ، وَ تَعْظُمْ كَبْوَتُهٗ، وَ یَكُنْ مَّاٰبُهٗ اِلَی الْحُزْنِ الطَّوِیْلِ وَ الْعَذَابِ الْوَبِیْلِ وَ اَتَوَكَّلُ عَلَی اللهِ تَوَكُّلَ الْاِنَابَةِ اِلَیْهِ، وَ اَسْتَرْشِدُهُ السَّبِیْلَ المُؤَدِّیَةَ اِلٰی جَنَّتِهٖ، الْقَاصِدَةَ اِلٰی مَحَلِّ رَغْبَتِهٖ.
اُوْصِیْكُمْ عِبَادَ اللهِ! بِتَقْوَی اللهِ وَ طَاعَتِهٖ، فَاِنَّهَا النَّجَاةُ غَدًا، وَ الْمَنْجَاةُ اَبَدًا. رَهَّبَ فَاَبْلَغَ، وَ رَغَّبَ فَاَسْبَغَ، وَ وَصَفَ لَكُمُ الدُّنْیَا وَ انْقِطَاعَهَا، وَ زَوَالَهَا وَ انْتِقَالَهَا. فَاَعْرِضُوْا عَمَّا یُعْجِبُكُمْ فِیْهَا لِقِلَّةِ مَا یَصْحَبُكُمْ مِنْهَا، اَقْرَبُ دَارٍ مِّنْ سَخَطِ اللهِ، وَ اَبْعَدُهَا مِنْ رِّضْوَانِ اللهِ! فَغُضُّوْا عَنْكُمْ ـ عِبَادَاللهِ ـ غُمُوْمَهَا وَ اَشْغَالَهَا، لِمَا قَدْ اَیْقَنْتُمْ بِهٖ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا.
فَاحْذَرُوْهَا حَذَرَ الشَّفِیْقِ النَّاصِحِ، وَ الْمُجِدِّ الْكَادِحِ، وَ اعْتَبِرُوْا بِمَا قَدْ رَاَیْتُمْ مِّنْ مَّصَارِعِ الْقُرُوْنِ قَبْلَكُمْ: قَدْ تَزَایَلَتْ اَوْصَالُهُمْ، وَ زَالَتْ اَبْصَارُهُمْ وَ اَسْمَاعُهُمْ، وَ ذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَ عِزُّهُمْ، وَ انْقَطَعَ سُرُوْرُهُمْ وَ نَعِیْمُهُمْ فَبُدِّلُوْا بِقُرْبِ الْاَوْلَادِ فَقْدَهَا، وَ بِصُحْبَةِ الْاَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا. لَا یَتَفَاخَرُوْنَ، وَ لَا یَتَنَاسَلُوْنَ، وَ لَا یَتَزَاوَرُوْنَ، وَ لَا یَتَجَاوَرُوْنَ.
فَاحْذَرُوْا عِبَادَ اللهِ! حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهٖ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهٖ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهٖ فَاِنَّ الْاَمْرَ وَاضِحٌ، وَ الْعَلَمَ قَآئِمٌ، وَ الطَّرِیْقَ جَدَدٌ، وَ السَّبِیْلَ قَصْدٌ.
خطبة (159): عظمة دين الإسلام وتعلم الدروس من الدنيا
لقد بعث الله رسوله بالنور الساطع، والحجة الواضحة، والطريق الواضح، وشريعة وكتاب هدى. مولده مكة، وهجرته المدينة المنورة، ومنها رفع اسمه وانتشر صوته (أربعمائة). لقد بعثه الله بالبينة التامة، والنصيحة الشافية، والرسالة التعويضية، وكشف بها سبل المجهول، وهدم البدع الباطلة، وبين الأحكام الواردة. الشقاء مسلم، شيرازه درهم وبراهم وسقوطه على وجهه شديد و(حتم) والنهاية حزن طويل وعذاب قاتل. توكلت على الله، هذه الثقة التي يركز عليها الجميع، وأطلب الهداية إلى الطريق الذي يؤدي إلى جنته، ويؤدي إلى الهدف المنشود. عباد الله! أوصيكم بتقوى الله وطاعته، لأن التقوى وحدها هي سبب الخلاص الكامل وغاية الخلاص الأبدي. وعندما هددهم بعقوبته حذر الجميع، وعندما استدرجهم إلى الجنة، لم يترك حجرا إلا ويقلبه، ووصف الدنيا وهلاكها وانحدارها وتقلبها. ابتعد عن الأشياء التي تظنها جيدة في هذا العالم. لأن هناك عدد قليل جدا منهم للذهاب معهم. وعاقبة الدنيا أقرب إلى سخط الله وأبعد من رضوانه. عباد الله، أغمضوا أعينكم عن همومها وضبابها، لأنكم تؤمنون أنها ستنفصل في النهاية وتنقلب أحوالها. وخاف من الدنيا كمن يخاف نفسه ويحسنها ويجتهد. تعلم من الأماكن التي سقط فيها من كان قبلك أن مفاصلهم انفصلت. ليس لديهم عيون ولا آذان. ضاع شرفهم وكرامتهم، وظلت أفراحهم وبركاتهم تختفي، وبدلاً من أن يقتربوا من أبنائهم، انفصلوا عن زوجاتهم وانفصلوا عنهم بدلاً من أن يقتربوا من بعضهم البعض. والآن لا يفتخرون ولا يكون لهم أولاد. لا يختلطون مع بعضهم البعض ولا يعيشون كجيران مع بعضهم البعض. يا قوم الله! الخوف كمن يملك نفسه ويقمع هواه ويرى بالبصيرة يخاف لأن (كل شيء) أصبح واضحا. وقد ثبتت العلامات، والطريق سلس، والصراط مستقيم.
