خطبة خطبة : 180

خطبة (180): إبداء التعازي بحال الأمم الأولى وشهداء صفين (رُوِیَ عَنْ نَّوْفِ الْبِکَالِیِّ، قَالَ: خَطَبَنَا ھٰذِہِ الْخُطْبَۃَ بِالْکُوْفَۃِ اَمِیْرُ الْمُؤْمِنِیْنَ ؑ وَ هُوَ قَآئِمٌ عَلٰى حِجَارَةٍ نَّصَبَهَا لَهٗ جَعْدَةُ بْنُ هُبَیْرَةَ الْمَخْزُوْمِیُّ، وَ عَلَیْهِ مِدْرَعَةٌ مِّنْ صُوْفٍ، وَ حَمَآئِلُ سَیْفِهٖ لِیْفٌ، وَ فِیْ رِجْلَیْهِ نَعْلَانِ مِنْ لِّیْفٍ، وَ كَاَنَّ جَبِیْنَهٗ ثَفِنَةُ بَعِیْرٍ،. فَقَالَ ؑ:)

اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِیْۤ اِلَیْهِ مَصَآئِرُ الْخَلْقِ، وَ عَوَاقِبُ الْاَمْرِ، نَحْمَدُهٗ عَلٰی عَظِیْمِ اِحْسَانِهٖ، وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهٖ، وَ نَوَامِیْ فَضْلِهٖ وَ امْتِنَانِهٖ، حَمْدًا یَّكُوْنُ لِحَقِّهٖ قَضَآءً، وَ لِشُكْرِهٖۤ اَدَآءً، وَ اِلٰی ثَوَابِهٖ مُقَرِّبًا، وَ لِحُسْنِ مَزِیْدِهٖ مُوْجِبًا.
وَ نَسْتَعِیْنُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِّفَضْلِهٖ، مُؤَمِّلٍ لِّنَفْعِهٖ، وَاثِقٍۭ بِدَفْعِهٖ، مُعْتَرِفٍ لَّهٗ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ لَّهٗ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ.
وَ نُؤْمِنُ بِهٖۤ اِیْمَانَ مَنْ رَّجَاهُ مُوْقِنًا، وَ اَنَابَ اِلَیْهِ مُؤْمِنًا، وَ خَنَعَ لَهٗ مُذْعِنًا، وَ اَخْلَصَ لَهٗ مُوَحِّدًا، وَ عَظَّمَهٗ مُمَجِّدًا، وَ لَاذَ بِهٖ رَاغِبًا مُّجْتَهِدًا.
لَمْ یُوْلَدْ سُبْحَانَهٗ فَیَكُوْنَ فِی الْعِزِّ مُشَارَكًا، وَ لَمْ یَلِدْ فَیَكُوْنَ مَوْرُوْثًا هَالِكًا، وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَّ لَا زَمَانٌ، وَ لَمْ یَتَعَاوَرْهُ زِیَادَةٌ وَّ لَا نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُوْلِ بِمَاۤ اَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِیْرِ الْمُتْقَنِ، وَ الْقَضَآءِ الْمُبْرَمِ.
فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهٖ خَلْقُ السَّمٰوٰتِ مُوَطَّدَاتٍۭ بِلَا عَمَدٍ، قَآئِمَاتٍۭ بِلَا سَنَدٍ، دَعَاهُنَّ فَاَجَبْنَ طَآئِعَاتٍ مُّذْعِنَاتٍ، غَیْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَّ لَا مُبْطِئَاتٍ، وَ لَوْلَا اِقْرَارُهُنَّ لَهٗ بِالرُّبُوْبِیَّةِ وَ اِذْعَانُهُنَّ لَہٗ بِالطَّوَاعِیَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعًا لِّعَرْشِهٖ، وَ لَا مَسْكَنًا لِّمَلٰٓئِكَتِهٖ، وَ لَا مَصْعَدًا لِّلْكَلِمِ الطَّیِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهٖ.
جَعَلَ نُجُوْمَهَاۤ اَعْلَامًا یَّسْتَدِلُّ بِهَا الْحَیْرَانُ فِیْ مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْاَقْطَارِ، لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُوْرِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّیْلِ الْمُظْلِمِ، وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِیْبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ اَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی السَّمٰوٰتِ مِنْ تَلَاْلُؤِ نُوْرِ الْقَمَرِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ لَّا یَخْفٰی عَلَیْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، وَّ لَا لَیْلٍ سَاجٍ، فِیْ بِقَاعِ الْاَرَضِیْنَ الْمُتَطَاْطِئَاتِ، وَ لَا فِیْ یَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِیْۤ اُفُقِ السَّمَآءِ، وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوْقُ الْغَمَامِ، وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ تُزِیْلُهَا عَنْ مَّسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْاَنْوَآءِ وَ انْهِطَالُ السَّمَآءِ! وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا، وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا، وَ مَا یَكْفِی الْبَعُوْضَةَ مِنْ قُوْتِهَا، وَ مَا تَحْمِلُ الْاُنْثٰی فِیْ بَطْنِهَا.
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الْكَآئِنِ قَبْلَ اَنْ یَّكُوْنَ كُرْسِیٌّ اَوْ عَرْشٌ، اَوْ سَمَآءٌ اَوْ اَرْضٌ، اَوْ جَانٌّ اَوْ اِنْسٌ. لَا یُدْرَكُ بِوَهْمٍ، وَ لَا یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ، وَ لَا یَشْغَلُهٗ سَآئِلٌ، وَ لَا یَنْقُصُهٗ نَآئِلٌ، وَ لَا یَنْظُرُ بِعَیْنٍ، وَ لَا یُحَدُّ بِاَیْنٍ، وَ لَا یُوْصَفُ بِالْاَزْوَاجِ، وَ لَا یَخْلُقُ بِعِلَاجٍ، وَ لَا یُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَ لَا یُقَاسُ بِالنَّاسِ، الَّذِیْ كَلَّمَ مُوْسٰی تَكْلِیْمًا، وَ اَرَاهُ مِنْ اٰیَاتِهٖ عَظِیْمًا، بِلَا جَوَارِحَ وَ لَاۤ اَدَوَاتٍ، وَ لَا نُطْقٍ وَّ لَا لَهَوَاتٍ.
بَلْ اِنْ كُنْتَ صَادِقًا اَیُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جَبْرَئِیْلَ وَ مِیْكَآئِیْلَ وَ جُنُوْدَ الْمَلٰٓئِكَةِ الْمُقَرَّبِیْنَ، فِیْ حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّیْنَ، مُتَوَلِّهَةً عُقُوْلُهُمْ اَنْ یَّحُدُّوْۤا اَحْسَنَ الْخَالِقِیْنَ. فَاِنَّمَا یُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَیْئَاتِ وَ الْاَدَوَاتِ، وَ مَنْ یَّنْقَضِیْۤ اِذَا بَلَغَ اَمَدَ حَدِّهٖ بِالْفَنَآءِ. فَلَاۤ اِلٰهَ اِلَّا هُوَ، اَضَآءَ بِنُوْرِهٖ كُلَّ ظَلَامٍ، وَ اَظْلَمَ بِظُلْمَتِهٖ كُلَّ نُوْرٍ.
اُوْصِیْكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَی اللهِ الَّذِیْ اَلْبَسَكُمُ الرِّیَاشَ، وَ اَسْبَغَ عَلَیْكُمُ الْمَعَاشَ، فَلَوْ اَنَّ اَحَدًا یَّجِدُ اِلَی الْبَقَآءِ سُلَّمًا، اَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِیْلًا، لَكَانَ ذٰلِكَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوٗدَ ؑ، الَّذِیْ سُخِّرَ لَهٗ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْاِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّۃِ وَ عَظِیْمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفٰی طُعْمَتَهٗ، وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهٗ، رَمَتْهُ قِسِیُّ الْفَنَآءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَ اَصْبَحَتِ الدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَةً، وَ الْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ اٰخَرُوْنَ.
وَ اِنَّ لَكُمْ فِی الْقُرُوْنِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً! اَیْنَ الْعَمَالِقَةُ وَ اَبْنَآءُ الْعَمَالِقَةِ! اَیْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَاَبْنَآءُ الْفَرَاعِنَةِ! اَیْنَ اَصْحَابُ مَدَآئِنِ الرَّسِّ الَّذِیْنَ قَتَلُوا النَّبِیِّیْنَ، وَاَطْفَاُوْا سُنَنَ الْمُرْسَلِیْنَ، وَاَحْیَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِیْنَ! اَیْنَ الَّذِیْنَ سَارُوْا بِالْجُیُوْشِ، وَ هَزَمُوا الْاُلُوْفَ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَمَدَّنُوا الْمَدَآئِنَ!.
قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَ اَخَذَهَا بِجَمِیْعِ اَدَبِهَا، مِنَ الْاِقْبَالِ عَلَیْهَا، وَ الْمَعْرِفِةِ بِهَا، وَ التَّفَرُّغِ لَهَا، فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهٖ ضَالَّتُهُ الَّتِیْ یَطْلُبُهَا، وَ حَاجَتُهُ الَّتِیْ یَسْئَلُ عَنْهَا، فَهُوُ مُغْتَرِبٌ اِذَا اغْتَرَبَ الْاِسْلَامُ، وَ ضَرَبَ بِعَسِیْبِ ذَنَۢبِهٖ، وَ اَلْصَقَ الْاَرْضَ بِجِرَانِهٖ، بَقِیَّةٌ مِّنْ بَقَایَا حُجَّتِهٖ، خَلِیْفَةٌ مِّنْ خَلَآئِفِ اَنْۢبِیَآئِهٖ.
اَیُّهَا النَّاسُ! اِنِّیْ قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِیْ وَعَظَ الْاَنْۢبِیَآءُ بِهَا اُمَمَهُمْ، وَ اَدَّیْتُ اِلَیْكُمْ مَاۤ اَدَّتِ الْاَوْصِیَآءُ اِلٰی مَنْۢ بَعْدَهُمْ، وَ اَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِیْ فَلَمْ تَسْتَقِیْمُوْا، وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوْا.
لِلّٰهِ اَنْتُمْ! اَتَتَوَقَّعُوْنَ اِمَامًا غَیْرِیْ یَطَاُ بِكُمُ الطَّرِیْقَ، وَ یُرْشِدُكُمُ السَّبِیْلَ؟.
اَلَاۤ اِنَّهٗ قَدْ اَدْبَرَ مِنَ الدُّنْیَا مَا كَانَ مُقْبِلًا، وَ اَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِرًا، وَ اَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الْاَخْیَارُ، وَ بَاعُوْا قَلِیْلًا مِّنَ الدُّنْیَا لَا یَبْقٰی، بِكَثِیْرٍ مِّنَ الْاٰخِرَةِ لَایَفْنٰی.
مَا ضَرَّ اِخْوَانَنَا الَّذِیْنَ سُفِكَتْ دِمَآؤُهُمْ ـ وَ هُمْ بِصِفِّیْنَ ـ اَنْ لَّا یَكُوْنُوا الْیَوْمَ اَحْیَآءً؟ یُسِیْغُوْنَ الْغُصَصَ، وَ یَشْرَبُوْنَ الرَّنْقَ! قَدْ ـ وَاللهِ ـ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ اُجُوْرَهُمْ، وَ اَحَلَّهُمْ دَارَ الْاَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.
اَیْنَ اِخْوَانِیَ الَّذِیْنَ رَكِبُوا الطَّرِیْقَ، وَ مَضَوْا عَلَی الْحَقِّ؟ اَیْنَ عَمَّارٌ؟ وَ اَیْنَ ابْنُ التَّیِّهَانِ؟ وَ اَیْنَ ذُو الشَّهَادَتَیْنِ؟ وَ اَیْنَ نُظَرَآؤُهُمْ مِنْ اِخْوَانِهِمُ الَّذِیْنَ تَعَاقَدُوْا عَلَی الْمَنِیَّةِ، وَ اُبْرِدَ بِرُؤُوْسِهِمْ اِلَی الْفَجَرَةِ؟.
اَوْهِ عَلٰۤی اِخْوَانِیَ الَّذِیْنَ تَلَوُا الْقُرْاٰنَ فَاَحْكَمُوْهُ، وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَاَقَامُوْهُ، اَحْیَوُا السُّنَّةَ، وَ اَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوْا لِلْجِهَادِ فَاَجَابُوْا، وَ وَثِقُوْا بِالْقَآئِدِ فَاتَّبَعُوْہُ.
اَلْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ! اَلَا وَ اِنِّیْ مُعَسْكِرٌ فِیْ یَوْمِیْ هٰذَا، فَمَنْ اَرَادَ الرَّوَاحَ اِلَی اللهِ فَلْیَخْرُجْ.

وعن نوف البقالي قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بين أيدينا على الحجر بالكوفة الذي نصبه جعد بن هبيرة المخزومي.. في ذلك الوقت كان على جسدك المبارك رداء من الصوف. وكان مقبض سيفك من جريد ونعل رجليك من سعف. وكان (بسبب السجود) الجبهة مثل العصا في ركبة البعير. الحمد لله الذي إليه رجعة الخلق جميعا وختام كل شيء.. فهذا الحمد الذي يؤدي حقه ويشكر، ويقربنا من ثوابه، ويزيدنا في مغفرته. توجه إليه بالإيمان، وتواضع له بالطاعة والطاعة، وعرفه واحدا وأخلص له، واعرفه عظيما بالشكر، ولجأ إلى قدميه بالترغيب والاجتهاد.. وليس الأمر أن هناك نقصا وفائضا واحدا تلو الآخر، ولكن ما أظهره لنا هو علامات نظام ثابت (كون) وأوامر لا رجعة فيها.. وبسببهم ظهر للحكماء، فمن الذين شهدوا لهذا العرض خلق السماوات ثابتة ثابتة بلا عمد ولا سند.. فدعاهم الله تعالى، فأطاعوا وأطاعوا دون تأخير ولا توقف. ولا يجعل مكانا لعظمة حسناتهم من المخلوقين. وقد جعل الله هذه النجوم آيات مضيئة يهتدي بها الحائرون والمتحيرون في طرق الأرض.. فالحجب السوداء لظلمة الليل المظلم لا تمنع أشعتها من النور، ولا تستطيع حجب الظلام أن ترد سطوع نور القمر المنتشر في السماء.. سبحان الذي لا يخفى عليه ظلمة الليل المظلم وظلمة الليل الهادئ في المنخفضات وقمم الجبال السوداء، ولا يخفى عليه الرعد في أفق السماء، ولا الأشياء المخلوقة لتحطم البرق، ولا الأوراق التي (تتكسر) وتتساقط من مكان سقوطها بفعل ريح (المطر) الشديدة والأمطار الغزيرة.. يعطي. إنه يعرف أين ستسقط قطرات المطر وأين ستبقى. وأين يزحف صغار النمل وأين يجرون أنفسهم وما هو القوت الذي يكفي البعوض وماذا تحمل الأنثى في بطنها؟. الحمد لله الذي كان قبل العرش وعرش الأرض والسماء وقبل الجن والإنس. ولا يمكن معرفته بالأوهام، ولا يمكن تقديره بالعقل والفهم. فلا يغفله سائل، ولا ينقصه من المغفرة شيئا، ولا تراه عين، ولا يقتصر في مكان.. ولا يمكن التعرف عليه بأقرانه، ولا ينتج بحركة الأعضاء، ولا يعرف بالحواس.. ولا يمكن أن يستدل على ذلك من البشر، فالله الواحد الذي كلم موسى بتحريك الغربان بلا أعضاء وعظام وبلا كلام وبلا حنجرة وأظهر لهم آياته العظيمة. يا أيها الذين يحزنون ويتعبون من حمد الله، إن كان صحيحا، فصفوا أولا صفات جبريل وميكائيل والملائكة المقربين، الذين يقودون في الدنيا بالصفاء والطهارة. فينحنون إلى أن عقولهم تندهش وتتفاجأ بقدرتهم على وصف هذا الخالق الرائع. وتعرف بالصفات الأشياء التي لها صورة وهيئة وأطراف وأعضاء، وتلك التي تبلغ حدها وتهلك على يد الموت.. لا إله إلا الله الذي أضاء الظلمات بنوره، وجعل من كل نور ثلاثة عشر شعباً.. عباد الله! أوصيك بتقوى الله الذي كساك اللباس ورزقك من كل سبل العيش. ولو وجد أحد سلماً يصعد به إلى مرتفعات البقاء في الدنيا أو سبيلاً لتجنب الموت لكان سليمان بن داود (عليه السلام) الذي أوتي له ملك الجن والإنس بالنبوة ومنتهى القرب.. فلما استوفوا الماء وأجلهم، وضعتهم قسي الهلاك تحت سهام الموت، وخلت منهم بيوتهم، وخلت الديار، وورثهم قوم آخرون.. هناك دروس (فقط دروس) لكم في العصور الماضية (فقط فكروا) أين عماليق وبنيه، وأين فرعون وذريته، أين سكان مدن أصحاب الروس الذين قتلوا الأنبياء ومحوا طرق الأنبياء المنيرة وأحيوا السبل طغاة، أين الذين قادوا الجيوش وهزموا الآلاف وجيوش. استوطنوا المدن بتقديم. وقيل في آخر هذه الخطبة: لا بد أن يكون قد لبس حلة الحكمة، ونالها بجميع أحوالها وآدابها، وينجذب إليها جميع البدن، ويعرفها، ويكون القلب خاليا.. فهو إذاً ضالته وحاجته وشوقه إلى من يبحث عنه ويشتاق إليه، سيكون فقيراً مسافراً في ذلك الوقت (بعيداً عن الأنظار) حيث يكون عالم الإسلام في فقر وكالجمل الذي يضرب بذيله على الأرض من الإرهاق ويضع مقدمة رقبته على الأرض.. وهو الوارث والخليف لباقي حجج الله وأحد خلفاء الأنبياء.. وبعد ذلك قال حضرة: أيها الناس! وقد وعظتكم كما كان الأنبياء يفعلون بأممهم، وقد أبلغتكم ما بلّغته الأنبياء للآخرين.. أردت أن أعلمك الأدب بسياطتي لكنك لم تستقيم، ودفعتك بالقوة والتوبيخ، لكنك صمدت.. أفهمك الله إذا كنت ترجو أي إمام غيري يهديك إلى الصراط المستقيم ويهديك إلى الطريق الصحيح.. ينظر! الأشياء التي تحولت نحو العالم التي تحولت. أدار ظهره وأدار الذين كانوا يديرون ظهورهم. لقد استعد عباد الله الصالحون لمغادرة (العالم).. والعالم الطيب كان عالمًا صغيرًا سيأخذ دائمًا الكثير من البقايا.. وأي ضرر أصاب إخواننا وعبادنا الذين سفكت دماءهم في صوفين، أنهم ليسوا على قيد الحياة اليوم (ولو كانوا)، لابتلعوا رشفات مريرة وشربوا ماء عكرًا.. بالله! وصلوا إلى حضرة الله فأعطاهم الأجر الكامل وبعد الخوف والرعب أنزلهم إلى دار السلام والطمأنينة.. أين هم؟ أولئك إخواني الذين يواصلون السير على الصراط المستقيم. وأين الذين مروا على الحق؟ عمار وأين هم؟ ابن تيهان وأين هم؟ ذو الشاه داتين ورخان هما إخوته الآخرون الذين ارتبطوا بالعهد عند وفاتهم وأرسلت رؤوسهم إلى المخالفين.. يقول نوف أنه بعد ذلك وضع حضرة يده على اللحية المباركة وبكى طويلا ثم قال: آه يا ​​إخواني، أولئك الذين قرأوا القرآن شددوه، وتفكروا في واجباتهم، وانتبهوا لهم، وأحيوا السنة، وأماتوا البدعة، ولما دعوا إلى الجهاد استجابوا، ووثقوا بقائدهم إيمانا كاملا.. فتبعه أيضًا (بعد ذلك نادى حضرة بصوت عالٍ) جهاد جهاد. يا عباد الله! ينظر! اليوم آمر الجيش الذي سيقوم إلى الله أن يقوم. يقول نوف: بعد ذلك عيّن الحسين (عليه السلام) أميراً على عشرة آلاف جندي، وقيس بن سعد (رحمه الله) وعشرة آلاف جيش، وأبو أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) وعيّن آخرين قادة على أعداد مختلفة من الجنود.. ضربة (على رأس الأقدس) تراجعت بها الجيوش كلها وصار حالنا مثل تلك الغنم والماعز.. أولئك الذين فقدوا راعيهم والذئاب تطاردهم من كل حدب وصوب..