خطبة خطبة : 107

خطبة (107): في عظمة الله ورفعة الملائكة ([مِنْهَا])

كُلُّ شَیْءٍ خَاشِعٌ لَّهٗ، وَكُلُّ شَیْءٍ قَآئِمٌۢ بِهٖ: غِنٰی كُلِّ فَقِیْرٍ، وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِیْلٍ، وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِیْفٍ، وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوْفٍ، مَنْ تَكَلَّمَ سَمِـعَ نُطْقَهٗ، وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهٗ، وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَیْهِ رِزْقُهٗ، وَ مَنْ مَّاتَ فَاِلَیْهِ مُنْقَلَبُهٗ. لَمْ تَرَكَ الْعُیُوْنُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِیْنَ مِنْ خَلْقِكَ.
لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ، وَ لَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَ لَا یَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَ لَا یُفْلِتُكَ مَنْ اَخَذْتَ، وَ لَا یَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَ لَا یَزِیْدُ فِیْ مُلْكِكَ مَنْ اَطَاعَكَ، وَ لَایَرُدُّ اَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَآءَكَ، وَ لَایَسْتَغْنِیْ عَنْكَ مَنْ تَوَلّٰی عَنْ اَمْرِكَ، كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلَانِیَةٌ، وَ كُلُّ غَیْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ.
اَنْتَ الْاَبَدُ فَلَاۤ اَمَدَ لَكَ، وَ اَنْتَ الْمُنْتَهٰی فَلَا مَحِیْصَ عَنْكَ، وَ اَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مَنْجٰی مِنْكَ اِلَّاۤ اِلَیْكَ، بِیَدِكَ نَاصِیَةُ كُلِّ دَآبَّةٍ، وَ اِلَیْكَ مَصِیْرُ كُلِّ نَسَمَةٍ.
سُبْحَانَكَ مَاۤ اَعْظَمَ مَا نَرٰی مِنْ خَلْقِكَ! وَ مَاۤ اَصْغَرَ عِظَمَہٗ فِیْ جَنْۢبِ قُدْرَتِكَ! وَ مَاۤ اَهْوَلَ مَا نَرٰی مِنْ مَّلَكُوْْتِكَ! وَ مَاۤ اَحْقَرَ ذٰلِكَ فِیْمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ! وَ مَاۤ اَسْبَغَ نِعَمَكَ فِی الدُّنْیَا، وَ مَاۤ اَصْغَرَهَا فِیْ نِعَمِ الْاٰخِرَةِ!.
مِنْ مَّلٰٓئِكَةٍ اَسْكَنْتَهُمْ سَمٰوَاتِكَ، وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ اَرْضِكَ، هُمْ اَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَ اَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَ اَقْرَبُهُمْ مِّنْكَ. لَمْ یَسْكُنُوا الْاَصْلَابَ، وَ لَمْ یُضَمَّنُوا الْاَرْحَامَ، وَ لَمْ یُخْلَقُوْا ﴿مِنْ مَّآءٍ مَّهِیْنٍۚ۝﴾، وَ لَمْ یَتَشَعَّبْهُمْ رَیْبُ الْمَنُوْنِ، وَ اِنَّهُمْ عَلٰی مَكَانِهِمْ مِنْكَ، وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ، وَ اسْتِجْمَاعِ اَهْوَآئِهِمْ فِیْكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ اَمْرِكَ، لَوْ عَایَنُوْا كُنْهَ مَا خَفِیَ عَلَیْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوْا اَعْمَالَهُمْ، وَ لَزَرَوْا عَلٰۤی اَنْفُسِهِمْ، وَ لَعَرَفُوْۤا اَنَّهُمْ لَمْ یَعْبُدُوْكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَ لَمْ یُطِیْعُوْكَ حَقَّ طَاعَتِكَ.
سُبْحَانَكَ خَالِقًا وَّ مَعْبُوْدًا! بِحُسْنِ بَلَآئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ، خَلَقْتَ دَارًا وَّ جَعَلْتَ فِیْهَا مَاْدُبَةً: مَشْرَبًا وَّ مَطْعَمًا، وَ اَزْوَاجًا وَّ خَدَمًا، وَ قُصُوْرًا وَّ اَنْهَارًا، وَ زُرُوْعًا وَّ ثِمَارًا.
ثُمَّ اَرْسَلْتَ دَاعِیًا یَّدْعُوْۤ اِلَیْهَا، فَلَا الدَّاعِیَ اَجَابُوْا، وَ لَا فِیْمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوْا، وَ لَاۤ اِلٰی مَا شَوَّقْتَ اِلَیْهِ اشْتَاقُوْا.
اَقْبَلُوْا عَلٰی جِیْفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوْا بِاَكْلِهَا، وَ اصْطَلَحُوْا عَلٰی حُبِّهَا، وَ مَنْ عَشِقَ شَیْئًا اَعْشٰی بَصَرَهٗ، وَ اَمْرَضَ قَلْبَهٗ، فَهُوَ یَنْظُرُ بِعَیْنٍ غَیْرِ صَحِیْحَةٍ، وَ یَسْمَعُ بِاُذُنٍ غَیْرِ سَمِیْعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهٗ، وَ اَمَاتَتِ الدُّنْیَا قَلْبَهٗ، وَ وَلِهَتْ عَلَیْهَا نَفْسُهٗ، فَهُوَ عَبْدٌ لَّهَا، وَ لِمَنْ فِیْ یَدَیْهِ شَیْءٌ مِّنْهَا، حَیْثُمَا زَالَتْ زَالَ اِلَیْهَا، وَ حَیْثُمَاۤ اَقْبَلَتْ اَقْبَلَ عَلَیْهَا، لَا یَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَ لَایَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَ هُوَ یَرَی الْمَاْخُوْذِیْنَ عَلَی الْغِرَّةِ، حَیْثُ لَاۤ اِقَالَةَ لَہُمْ وَ لَا رَجْعَةَ، كَیْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوْا یَجْهَلُوْنَ، وَ جَآءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْیَا مَا كَانُوْا یَاْمَنُوْنَ، وَ قَدِمُوْا مِنَ الْاٰخِرَةِ عَلٰی مَا كَانُوْا یُوْعَدُوْنَ.
فَغَیْرُ مَوْصُوْفٍ مَّا نَزَلَ بِهِمْ: اِجْتَمَعَتْ عَلَیْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا اَطْرَافُهُمْ، وَ تَغَیَّرَتْ لَهَا اَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِیْهِمْ وُلُوْجًا، فَحِیْلَ بَیْنَ اَحَدِهِمْ وَ بَیْنَ مَنْطِقِهٖ، وَ اِنَّهٗ لَبَیْنَ اَهْلِهٖ یَنْظُرُ بِبَصَرِهٖ، وَ یَسْمَعُ بِاُذُنِهٖ، عَلٰی صِحَّةٍ مِّنْ عَقْلِهٖ، وَ بَقَآءٍ مِّنْ لُّبِّهٖ، یُفَكِّرُ فِیْمَ اَفْنٰی عُمْرَهٗ، وَ فِیْمَ اَذْهَبَ دَهْرَهٗ! وَ یَتَذَكَّرُ اَمْوَالًا جَمَعَهَا، اَغْمَضَ فِیْ مَطَالِبِهَا، وَ اَخَذَهَا مِنْ مُّصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَ اَشْرَفَ عَلٰی فِرَاقِهَا، تَبْقٰی لِمَنْ وَّرَآءَهٗ یَنْعَمُوْنَ فِیْهَا، وَ یَتَمَتَّعُوْنَ بِهَا، فَیَكُوْنُ الْمَهْنَاُ لِغَیْرِهٖ، وَالْعِبْءُ عَلٰی ظَهْرِهٖ. وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُوْنُهٗ بِهَا، فَهُوَ یَعَضُّ یَدَهٗ نَدَامَةً عَلٰی مَاۤ اَصْحَرَ لَهٗ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ اَمْرِهٖ، وَ یَزْهَدُ فِیْمَا كَانَ یَرْغَبُ فِیْهِ اَیَّامَ عُمُرِهٖ، وَ یَتَمَنّٰۤی اَنَّ الَّذِیْ كَانَ یَغْبِطُهٗ بِهَا وَ یَحْسُدُهٗ عَلَیْهَا قَدْ حَازَهَا دُوْنَهٗ.
فَلَمْ یَزَلِ الْمَوْتُ یُبَالِغُ فِیْ جَسَدِهٖ حَتّٰی خَالَطَ لِسَانُهٗ سَمْعَهٗ، فَصَارَ بَیْنَ اَهْلِهٖ، لَا یَنْطِقُ بِلِسَانِهٖ، وَ لَا یَسْمَعُ بِسَمْعِهٖ: یُرَدِّدُ طَرْفَهٗ بِالنَّظَرِ فِیْ وجُوْهِهِمْ، یَرٰی حَرَكَاتِ اَلْسِنَتِهِمْ، وَ لَا یَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِیَاطًا بِهٖ، فَقُبِضَ بَصَرُهٗ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهٗ، وَ خَرَجَتِ الرُّوْحُ مِنْ جَسَدِهٖ، فَصَارَ جِیْفَةًۢ بَیْنَ اَهْلِهٖ، قَدْ اَوْحَشُوْا مِنْ جَانِبِهٖ، وَ تَبَاعَدُوْا مِنْ قُرْبِهٖ. لَا یُسْعِدُ بَاكِیًا، وَ لَا یُجِیْبُ دَاعِیًا. ثُمَّ حَمَلُوْهُ اِلٰی مَخَطٍّ فِی الْاَرْضِ، فَاَسْلَمُوْهُ فِیْهِ اِلٰی عَمَلِهٖ، وَ انْقَطَعُوْا عَنْ زَوْرَتِهٖ.
حَتّٰۤی اِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ اَجَلَهٗ، وَ الْاَمْرُ مَقَادِیْرَهٗ، وَ اُلْحِقَ اٰخِرُ الْخَلْقِ بِاَوَّلِهٖ، وَ جَآءَ مِنْ اَمْرِ اللهِ مَا یُرِیْدُهٗ مِنْ تَجْدِیْدِ خَلْقِهٖ، اَمَادَ السَّمَآءَ وَ فَطَرَهَا، وَ اَرَجَّ الْاَرْضَ وَ اَرْجَفَهَا، وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا، وَ دَكَّ بَعْضُهَا بَعْضًا مِّنْ هَیْبَةِ جَلَالَتِهٖ وَ مَخُوْفِ سَطْوَتِهٖ، وَ اَخْرَجَ مَنْ فِیْهَا، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ اِخْلَاقِهِمْ، وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ.
ثُمَّ مَیَّزَهُمْ لِمَا یُرِیْدُ مِنْ مَّسْئَلَتِهِمْ عَنْ خَفَایَا الْاَعْمَالِ وَ خَبَایَا الْاَفْعَالِ، وَ جَعَلَهُمْ فَرِیْقَیْنِ: اَنْعَمَ عَلٰی هٰٓؤُلَآءِ وَ انْتَقَمَ مِنْ هٰٓؤُلَآءِ. فَاَمَّا اَهْلُ الطَّاعَةِ فَاَثَابَهُمْ بِجِوَارِهٖ، وَ خَلَّدَهُمْ فِیْ دَارِهٖ، حَیْثُ لَا یَظْعَنُ النُّزَّالُ، وَ لَا تَتَغَیَّرُ بِهِمُ الْحَالُ، وَ لَا تَنُوْبُهُمُ الْاَفْزَاعُ، وَ لَا تَنَالُهُمُ الْاَسْقَامُ، وَ لَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْاَخْطَارُ، وَ لَا تُشْخِصُهُمُ الْاَسْفَارُ.
وَ اَمَّا اَهْلُ الْمَعْصِیَةِ فَاَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَ غَلَّ الْاَیْدِیَ اِلَی الْاَعْنَاقِ، وَ قَرَنَ النَّوَاصِیَ بِالْاَقْدَامِ، وَ اَلْبَسَهُمْ سَرَابِیْلَ الْقَطِرَانِ، وَ مُقَطَّعَاتِ النِّیْرَانِ، فِیْ عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهٗ، وَ بَابٍ قَدْ اُطْبِقَ عَلٰۤی اَهْلِهٖ، فِیْ نَارٍ لَّهَا كَلَبٌ وَّ لَجَبٌ، وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ، وَ قَصِیْفٌ هَآئِلٌ، لَا یَظْعَنُ مُقِیْمُهَا، وَ لَا یُفَادٰۤی اَسِیْرُهَا، وَ لَا تُفْصَمُ كُبُوْلُهَا. لَا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنٰی، وَ لَا اَجَلَ لِلْقَوْمِ فَیُقْضٰی.
قَدْ حَقَّرَ الدُّنْیَا وَ صَغَّرَهَا، وَ اَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا، وَ عَلِمَ اَنَّ اللهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِیَارًا، وَ بَسَطَهَا لِغَیْرِهِ احْتِقَارًا، فَاَعْرَضَ عَنِ الدُّنْیَا بِقَلْبِهٖ، وَ اَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَّفْسِهٖ، وَ اَحَبَّ اَنْ تَغِیْبَ زِیْنَتُهَا عَنْ عَیْنِهٖ، لِكَیْلَا یَتَّخِذَ مِنْهَا رِیَاشًا، اَوْ یَرْجُوَ فِیْهَا مُقَامًا. بَلَّغَ عَنْ رَّبِّهٖ مُعْذِرًا، وَ نَصَحَ لِاُمَّتِهٖ مُنْذِرًا، وَ دَعَاۤ اِلَی الْجَنَّةِ مُبَشِّرًا.
نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ، وَ مُخْتَلَفُ الْمَلٰٓئِكَةِ، وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَ یَنَابِیْعُ الْحِكَمِ، نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا یَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا یَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ.

كل شيء خاضع له و ساجد، و كل شيء متعلق بنصره. هو رأس كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، وملجأ كل مظلوم.. من تكلم سمع كلامه، ومن صمت علم سره. من كان حيا فعليه رزقه، ومن مات فعليه مرجعه. (اللهم) لم تراك العيون لتخبر عنك، ولكنك كنت قبل ذلك صفة الخلق. ما خلقت الخلق من ملل الوحدة، ولا جعلتهم يعملون لصالحك. من تريد أن تأخذه لا يمكن أن يسبقك، ومن قبضت عليه لا يستطيع الهروب. من خالفك فلا يضر ملكك، ومن أطاعك لا يزيد الملك، ومن سخط على قضائك وقدرك لا يرفض أمرك، ومن رغب عن أمرك لا يستغنى عنك.. كل خفي يظهر لك، وكل غيب ينكشف أمامك. أنت الأبدي بلا حدود، وأنت المصير للجميع، الذي لا مفر منه، وأنت المكان الموعود، ولا مفر منك إلا جوهرك.. كل مسافر في قبضتك، وكل كائن حي إليك يرجع. سبحان الله! ما أجمل خلقك هذا الذي نراه! وما أصغر عظمتهم أمام قوتك! وما أجمل ملكوتك الذي أمام أعيننا! ولكن ما أقل أهميته مقارنة بسلطتك المخفية عن أعيننا! وما أكمل وأشمل نعمك هذه في الدنيا، وما أقصرها مقارنة بنعم الآخرة! ومن هذه الخطبة: أنك أسوت الملائكة في السماء وأبقيتهم مرتفعين عن وجه الأرض.. هم أعلم بك من كل الخلق، وأخشاهم لك، وأقرب إليك. لم يلبثوا في أصلاب، ولم يوضعوا في أرحام، ولم يولدوا من ماء ضني، ولم تفرقهم أحداث الدهر. وعلى الرغم من ارتفاع منزلتهم ومكانتهم في جوارك، وتركيز أفكارهم عليك، وكثرة عبادتهم لك، وقلة تهاونهم في أوامرك، إلا أنهم إذا وصلوا إلى ذلك العمق من أسرار قدرتك المخفي عنهم، استصغروا أعمالهم كثيرًا، وعيبوا على أنفسهم، وعلموا أنهم لم يؤدوا حق عبادتك، ولا أطاعوك على النحو الصحيح.. أمجدك بمعرفتك كخالق وإله. على أساس معاملتك الأفضل، وهي معاملتك مع خلقك. لقد جعلت هذا البيت (الجنة) فيه طعام وشراب للضيف، والحور، والخدم، والقصور، والأنهار، والحقول، والفاكهة.. ثم أرسلت من يدعو إلى هذه النعم فلم يستجيبوا لصوت الداعي، ولم ينجذبوا إلى الأشياء التي خلقت لها جاذبية، ولم يرغبوا في الأشياء التي خلقت لها الرغبة. لقد سقطوا على هذا العالم الميت، الذي بأكله فقدوا كرامتهم وكرامتهم، واتحدوا بشهوته. ومن أحب شيئاً كثيراً أعمى بصره وأمرض قلبه. يرى بأعين مريضة ويسمع بآذان لا تسمع. لقد مزق الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وغلبته نفسه.. لقد أصبح هذا العالم ومن يملك شيئاً منه عبيداً وعبيداً. أينما دار توجه. حيثما يكون وجهه، يكون وجهه هناك. ولا يتوقف عن قول وسماع أي مانع من الله، ولا يقبل نصيحة أي ناصح ومستشار.. رغم أنه يرى هؤلاء الأشخاص الذين تم احتجازهم هناك في حالة الإهمال ذاتها، حيث لا مجال للعلاج ولا فرصة للعودة إلى العالم. وكيف وقعت عليهم تلك الأشياء التي لم يكونوا على علم بها، وبطريقة ما جاء الفراق من الدنيا (اللحظة) التي رضوا بها تمامًا، وبطريقة ما وصلوا إلى تلك الأشياء من الآخرة التي كانوا على علم بها. والآن لا يمكن وصف المصائب التي حلت بهم. تحيط بهم مصاعب الموت والندم على ترك العالم معًا. فترتخي أيديهم وأرجلهم، وتتغير ألوانهم. ثم تكثر فيهم دخيلات الموت (أطرافهم). أحيانًا ينغلق لسان الإنسان أولاً، ويصح عقله، وتبقى حواسه. يضطجع أمام أهل بيته، يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتفكر فيما ضيع فيه عمره وأنفق وقته، ويذكر جمع أمواله وأمواله، في طلب ما أغمض عينيه، وما حصل عليه من الأماكن الطاهرة والمشبوهة على اختلاف أنواعها.. بدأ حمله يستعد ليحمله على رأسه ويتركه. وستبقى تلك الثروة لخلفائه حتى يستمتعوا بها ويرميوا الزهور. فأعطاها لغيره دون أن يحرك يديه ورجليه، وبقي حملها على ظهره. وقد أصبح مرهوناً بسبب هذه الثروة لدرجة أنه لا يستطيع تحرير نفسه. ولما تبين له هذا الواقع عند الوفاة، بدأ يعض على يديه ندماً، ويبتعد الآن عن تلك الأشياء التي كان يسعى إليها طوال حياته، ويتمنى أن الذين كانوا يحسدونه ويغارون عليه بسبب هذا المال (لو) جمعوا هذا المال.. والآن تتزايد غزوات الموت في جسده حتى يغطي الموت الأذنين مع اللسان. وحالته أمام أهل بيته أنه لا يتكلم باللسان ولا يسمع بالأذنين. يدير عينيه لينظر إلى وجوههم. يرى حركات ألسنتهم، لكنه لا يسمع أصوات الحديث. فيلتصق به الموت فيغمض عينيه كما أغلق أذنيه، وتنفصل الروح عن جسده. وهو الآن يرقد أمام أهله كالجثة، فيشعرون بالرعب، ويهربون من الاقتراب منه. لا يستطيع أن يعين الباكي، ولا يجيب الداعي. فيأخذونه ويأتون به إلى الأرض حيث يكون قبره، ويسلمونه إليها، فهي الآن ذهابه وعمله، فيعرضون عن لقائه إلى الأبد. حتى يبلغ القضاء أجله، ويبلغ أمر الله أجله، وينضم الأخير إلى الأول، ويأتي حكم القدر مرة أخرى بنية الخلق من البدء، فيحرك السماء فيمزقها، ويزلزل الأرض فيمزقها، ويزلزل الأرض، ويجوف قواعدها، ويقلع الجبال من أصولها. فيتصادمون من هيبة جلاله ورعب غضبه وسلطانه. يُخرج كل إنسان من باطن الأرض، ويحييهم بعد أن تعفنوا، ويجمعهم بعد ما تشتتوا وتشتتوا.. ثم يفرقهم ليسألهم عن خفاياهم وخفاياهم، فيقسمهم قسمين. فيعطي الأجر والكرامة للواحد، وينتقم من الواحد. سيجزي المطيعين بأن يبقوا في جنات رحمته، ويسكنهم خالدين في داره، حيث لا يسافر النازلون مرة أخرى، ولا تتغير أحوالهم، ولا يعذبون بين لحظة وأخرى، ولا تصيبهم أمراض، ولا تواجههم الأخطار، ولا يتنقلون من مكان إلى آخر.. وَالَّذِينَ عَصَوْا فسَيَلْجِهِمْ إِلَى بَيْتِ سُوءٍ وَيُغْلِبُ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ وَيَشْدُّ الْمُتَسَلَّلَ مِنْ جِهَاهِمِهِمْ إِلَى أَرْجُلِهِمْ وَيَلْبَسُهُمْ أَقْمِصَةً مِنْ قَطَرَانٍ وَثِيَابًا مِقَصَّةٍ مِنْ قُبَالٍ (أي يرش عليهم الزيت ويلقيهم في النار).. فيكونون في عذاب شديد يكون حره شديدا، وفي مكان تغلق عليهم الأبواب، وفي نار لها شرر حاد، وأصوات اشتعال، ولهب متصاعد، وصراخ رهيب.. لا يستطيع من يقيم فيها أن يخرج، ولا يفتدي أسراها، ولا تنكسر قيودهم.. وهذا البيت ليس له مدة محددة سيختفي بعده. ليس هناك مدة محددة للساكنين سيتم الانتهاء منها (ثم يتم إطلاق سراحهم). هذا الجزء من الخطبة عن النبي: لقد استصغروا الدنيا وحطت وعرفوها حقيرة ولا قيمة لها، وعلموا أن الله تعالى، إذ علاهم منزلتهم، صرف عنهم وجه الدنيا، وحطها، فبسط أزرها للآخرين.. فصرفوا عن الدنيا قلوبهم، ومحوا ذكرها عن أنفسهم، وأرادوا أن يخفى زينتها عن أعينهم، أن لا يلبسوا منها ثيابًا، ولا يقيموا فيها.. لقد بلغوا رسالة ربهم كاملة، ونصحوا الأمة منذرين، ودعوا إلى الجنة مبشرين، وأنذروا من النار يضربون الأمثال.. نحن شجرة النبوة، ومقام الرسالة، ومهبط الملائكة، ومعدن العلم، وينبوع الحكمة. من يعيننا ويحبنا فلينتظر الرحمة، ومن له عداوة وعداوة لنا فلينتظر السم..