وَ هِیَ تَتَضَمَّنُ ذَمَّ اِبْلِيْسَ لَعَنَهُ اللّٰهُ ، عَلَى اسْتِكْبَارِهٖ وَ تَرْكِهِ السُّجُوْدَ لِاٰدَمَ ؑ، وَ اَنَّهٗ اَوَّلُ مَنْ اَظْهَرَ الْعَصَبِيَّةَ وَ تَبِعَ الْحَمِيَّةَ، وَ تَحْذِيْرَ النَّاسِ مِنْ سُلُوْكِ طَرِيْقَتِهٖ:
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِیْ لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِیَآءَ، وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهٖ دُوْنَ خَلْقِهٖ، وَ جَعَلَهُمَا حِمًی وَّ حَرَمًا عَلٰی غَیْرِهٖ، وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهٖ. وَ جَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلٰی مَنْ نَّازَعَهٗ فِیْهِمَا مِنْ عِبَادِهٖ، ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذٰلِكَ مَلٰٓئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِیْنَ، لِیَمِیْزَ الْمُتَوَاضِعِیْنَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِیْنَ، فَقَالَ سُبْحَانَهٗ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوْبِ، وَ مَحْجُوْبَاتِ الْغُیُوْبِ: ﴿اِنِّیْ خَالِقٌۢ بَشَرًا مِّنْ طِیْنٍ فَاِذَا سَوَّیْتُهٗ وَ نَفَخْتُ فِیْهِ مِنْ رُّوْحِیْ فَقَعُوْا لَهٗ سٰجِدِیْنَ فَسَجَدَ الْمَلٰٓىِٕكَةُ كُلُّهُمْ اَجْمَعُوْنَۙ اِلَّاۤ اِبْلِیْسَ ؕ ﴾، اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِیَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلٰۤی اٰدَمَ بِخَلْقِهٖ، وَ تَعَصَّبَ عَلَیْهِ لِاَصْلِهٖ.
فَعَدُوُّ اللهِ اِمَامُ الْمُتَعَصِّبِیْنَ، وَ سَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِیْنَ، الَّذِیْ وَضَعَ اَسَاسَ الْعَصَبِیَّةِ، وَ نَازَعَ اللهَ رِدَآءَ الْجَبَرِیَّةِ، وَ ادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَ خَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ.
اَلَا تَرَوْنَ كَیْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهٖ، وَ وَضَعَهٗ بِتَرَفُّعِهٖ، فَجَعَلَهٗ فِی الدُّنْیَا مَدْحُوْرًا، وَ اَعَدَّ لَهٗ فِی الْاٰخِرَةِ سَعِیْرًا؟!.
وَ لَوْ اَرَادَ اللهُ اَنْ یَّخْلُقَ اٰدَمَ مِنْ نُّوْرٍ یَّخْطَفُ الْاَبْصَارَ ضِیَآؤُهٗ، وَ یَبْهَرُ الْعُقُوْلَ رُوَاؤُهُ، وَ طِیْبٍ یَّاْخُذُ الْاَنْفَاسَ عَرْفُهٗ، لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَـظَلَّتْ لَهُ الْاَعْنَاقُ خَاضِعَةً، وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوٰی فِیْهِ عَلَی الْمَلٰٓئِكَةِ. وَ لٰكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗ یَبْتَلِیْ خَلْقَهٗ بِبَعْضِ مَا یَجْهَلُوْنَ اَصْلَهُ، تَمْیِیْزًۢا بِالْاِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَ نَفْیًا لِّلْاِسْتِكَبَارِ عَنْهُمْ، وَ اِبْعَادًا لِّلْخُیَلَآءِ مِنْهُمْ.
فَاعْتَبِرُوْا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِاِبْلِیْسَ، اِذْ اَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِیْلَ، وَ جَهْدَهُ الْجَهِیْدَ، وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ اٰلَافِ سَنَةٍ، لَا یُدْرٰی اَ مِنْ سِنِی الدُّنْیَاۤ اَمْ مِنْ سِنِی الْاٰخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَّاحِدَةٍ.
فَمَنْ ذَا بَعْدَ اِبْلِیْسَ یَسْلَمُ عَلَی اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِیَتِهٖ؟ كَلَّا، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهٗ لِیُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَرًۢا بِاَمْرٍ اَخْرَجَ بِهٖ مِنْهَا مَلَكًا. اِنَّ حُكْمَهٗ فِیْۤ اَهْلِ السَّمَآءِ وَ اَهْلِ الْاَرْضِ لَوَاحِدٌ، وَ مَا بَیْنَ اللهِ وَ بَیْنَ اَحَدٍ مِّنْ خَلْقِهٖ هَوَادَةٌ فِیْۤ اِبَاحَةِ حِمًی حَرَّمَهٗ عَلَی الْعٰلَمِیْنَ.
فَاحْذَرُوْا عِبَادَ اللّٰہِ! عَدُوَّ اللهِ اَنْ یُّعْدِیَكُمْ بِدَآئِهٖ، وَ اَنْ یَّسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَآئِهٖ، وَ اَنْ یُّجْلِبَ عَلَیْكُمْ بِخَیْلِهٖ وَ رَجْلِهٖ. فَلَعَمْرِیْ لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِیْدِ، وَ اَغْرَقَ لَكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِیْدِ، وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَّكَانٍ قَرِیْبٍ، وَ قَالَ: ﴿رَبِّ بِمَاۤ اَغْوَیْتَنِیْ لَاُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الْاَرْضِ وَ لَاُغْوِیَنَّهُمْ اَجْمَعِیْنَۙ﴾، قَذْفًۢا بِغَیْبٍۭ بَعِیْدٍ، وَ رَجْمًۢا بِظَنٍّ غَیْرِ مُصِیْبٍ، صَدَّقَهٗ بِهِ اَبْنَآءُ الْحَمِیَّةِ، وَ اِخْوَانُ الْعَصَبِیَّةِ، وَ فُرْسَانُ الْكِبْرِ وَ الْجَاهِلِیَّةِ.
حَتّٰۤی اِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَ اسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِیَّةُ مِنْهُ فِیْكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِیِّ اِلَی الْاَمْرِ الْجَلِیِّ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهٗ عَلَیْكُمْ، وَ دَلَفَ بِجُنُوْدِهٖ نَحْوَكُمْ، فَاَقْحَمُوْكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ، وَ اَحَلُّوْكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَ اَوْطَاُوْكُمْ اِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ، طَعْنًا فِیْ عُیُوْنِكُمْ، وَ حَزًّا فِیْ حُلُوْقِكُمْ، وَ دَقًّا لِّمَنَاخِرِكُمْ، وَ قَصْدًا لِّمَقَاتِلِكُمْ، وَ سَوْقًۢا بِخَزَآئِمِ الْقَهْرِ اِلَی النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ، فَاَصْبَحَ اَعْظَمَ فِیْ دِیْنِكُمْ جَرْحًا، وَ اَوْرٰی فِیْ دُنْیَاكُمْ قَدْحًا، مِنَ الَّذِیْنَ اَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِیْنَ، وَ عَلَیْهِمْ مُتَاَلِّبِیْنَ.
فَاجْعَلُوْا عَلَیْهِ حَدَّكُمْ، وَ لَهٗ جِدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلٰۤی اَصْلِكُمْ، وَ وَقَعَ فِیْ حَسَبِكُمْ، وَ دَفَعَ فِیْ نَسَبِكُمْ، وَ اَجْلَبَ بِخَیْلِهٖ عَلَیْكُمْ، وَ قَصَدَ بِرَجْلِهٖ سَبِیْلَكُمْ، یَقْتَنِصُوْنَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَ یَضْرِبُوْنَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ، لَا تَمْتَنِعُوْنَ بِحِیْلَةٍ، وَ لَا تَدْفَعُوْنَ بِعَزِیْمَةٍ، فِیْ حَوْمَةِ ذُلٍّ، وَ حَلْقَةِ ضِیْقٍ، وَ عَرْصَةِ مَوْتٍ، وَ جَوْلَةِ بَلَآءٍ.
فَاَطْفِئُوْا مَا كَمَنَ فِیْ قُلُوْبِكُمْ مِنْ نِّیْرَانِ الْعَصَبِیَّةِ، وَ اَحْقَادِ الْجَاهِلِیَّةِ، فَاِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِیَّةُ تَكُوْنُ فِی الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّیْطٰنِ وَ نَخَوَاتِهٖ، وَ نَزَغَاتِهٖ وَ نَفَثَاتِهٖ.
وَ اعْتَمِدُوْا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلٰی رُؤُوْسِكُمْ، وَ اِلْقَآءَ التَّعَزُّزِ تَحَتْ اَقْدَامِكُمْ، وَ خَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ اَعْنَاقِكُمْ. وَ اتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةًۢ بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ عَدُوِّكُمْ اِبْلِیْسَ وَ جُنُوْدِهٖ، فَاِنَّ لَهٗ مِنْ كُلِّ اُمَّةٍ جُنُوْدًا وّاَعْوَانًا، وَ رَجْلًا وَّ فُرْسَانًا، وَ لَا تَكُوْنُوْا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَی ابْنِ اُمِّهٖ مِنْ غَیْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ فِیْهِ سِوٰی مَاۤ اَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهٖ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَ قَدَحَتِ الْحَمِیَّةُ فِیْ قَلْبِهٖ مِنْ نَّارِ الْغَضَبِ، وَ نَفَخَ الشَّیْطٰنُ فِیْۤ اَنْفِهٖ مِنْ رِّیْحِ الْكِبْرِ الَّذِیْۤ اَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَ اَلْزَمَهٗ اٰثَامَ الْقَاتِلِیْنَ اِلٰی یَوْمِ الْقِیٰمَةِ.
اَلَا وَ قَدْ اَمْعَنْتُمْ فِی الْبَغْیِ، وَ اَفْسَدْتُّمْ فِی الْاَرْضِ، مُصَارَحَةً لِّـلّٰهِ بِالْمُنَاصَبَةِ، وَ مُبَارَزَةً لِّلْمُؤْمِنِیْنَ بِالْمُحَارَبَةِ. فَاللهَ اللهَ فِیْ كِبْرِ الْحَمِیَّةِ، وَ فَخْرِ الْجَاهِلِیَّةِ! فَاِنَّهٗ مَلَاقِحُ الشَّنَاٰنِ، وَ مَنَافِخُ الشَّیْطٰنِ، الَّتِیْ خَدَعَ بِهَا الْاُمَمَ الْمَاضِیَةَ، وَ الْقُرُوْنَ الْخَالِیَةَ، حَتّٰۤی اَعْنَقُوْا فِیْ حَنَادِسِ جَهَالَتِهٖ، وَ مهَاوِیْ ضَلَالَتِهٖ، ذُلُلًا عَنْ سِیَاقِهٖ، سُلُسًا فِیْ قِیَادِهٖ، اَمْرًا تَشَابَهَتِ الْقُلُوْبُ فِیْهِ، وَ تَتَابَعَتِ الْقُرُوْنُ عَلَیْهِ، وَ كِبْرًا تَضَایَقَتِ الصُّدُوْرُ بِهٖ.
اَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَآئِكُمْ! الَّذِیْنَ تَكَبَّرُوْا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَ تَرَفَّعُوْا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَ اَلْقَوُا الْهَجِیْنَةَ عَلٰی رَبِّهِمْ، وَ جَاحَدُوا اللهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِّقَضَآئِهٖ، وَ مُغَالَبَةً لِّاٰلَآئِهٖ، فَاِنَّهُمْ قَوَاعِدُ اَسَاسِ الْعَصَبِیَّةِ، وَ دَعَآئِمُ اَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَ سُیُوْفُ اعْتِزَآءِ الْجَاهِلِیَّةِ.
فَاتَّقُوا اللهَ وَ لَا تَكُوْنُوْا لِنِعَمِهٖ عَلَیْكُمْ اَضْدَادًا، وَ لَا لِفَضْلِهٖ عِنْدَكُمْ حُسَّادًا، وَ لَا تُطِیْعُوا الْاَدْعِیَآءَ الَّذِیْنَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَ اَدْخَلْتُمْ فِیْ حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَ هُمْ اَسَاسُ الْفُسُوْقِ، وَ اَحْلَاسُ الْعُقُوْقِ، اتَّخَذَهُمْ اِبْلِیْسُ مَطَایَا ضَلَالٍ، وَ جُنْدًۢا بِهِمْ یَصُوْلُ عَلَی النَّاسِ، وَ تَرَاجِمَةً یَّنْطِقُ عَلٰۤی اَلْسِنَتِهِمْ، اسْتِرَاقًا لِّعُقُوْلِكُمْ، وَ دُخُوْلًا فِیْ عُیُوْنِكُمْ، وَ نَفْثًا فِیْۤ اَسْمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمٰی نَبْلِهٖ، وَ مَوْطِئَ قَدَمِهٖ، وَ مَاْخَذَ یَدِهٖ.
فَاعْتَبِرُوْا بِمَاۤ اَصَابَ الْاُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِیْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْۢ بَاْسِ اللهِ وَ صَوْلَاتِهٖ، وَ وَقَآئِعِهٖ وَ مَثُلَاتِهٖ، وَ اتَّعِظُوْا بِمَثَاوِیْ خُدُوْدِهِمْ، وَ مَصَارِعِ جُنُوْبِهِمْ، وَ اسْتَعِیْذُوْا بِاللهِ مِنْ لَّوَاقِحِ الْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِیْذُوْنَهٗ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ.
فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِی الْكِبْرِ لِاَحَدٍ مِّنْ عِبَادِهٖ لَرَخَّصَ فِیْهِ لِخَاصَّةِ اَنْۢبِیَآئِهٖ وَ اَوْلِیَآئِهٖ، وَ لٰكِنَّهٗ سُبْحَانَهٗ كَرَّهَ اِلَیْهِمُ التَّكَابُرَ، وَ رَضِیَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَاَلْصَقُوْا بِالْاَرْضِ خُدُوْدَهُمْ، وَ عَفَّرُوْا فِی التُّرَابِ وُجُوْهَهُمْ، وَ خَفَضُوْۤا اَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِیْنَ، وَ كَانُوْا اَقْوَامًا مُّسْتَضْعَفِیْنَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَخْمَصَةِ، وَ ابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَ امْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَ مَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهٖ.
فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضٰی وَ السُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ جَهْلًۢا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَ الْاِخْتِبَارِ فِیْ مَوَاضِعِ الْغِنٰی وَ الْاِقْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهٗ وَ تَعَالٰی: ﴿اَیَحْسَبُوْنَ اَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهٖ مِنْ مَّالٍ وَّ بَنِیْنَۙ نُسَارِعُ لَهُمْ فِی الْخَیْرٰتِ ؕ بَلْ لَّا یَشْعُرُوْنَ﴾.
فَاِنَّ اللهَ سْبْحَانَهٗ یَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِیْنَ فِیْۤ اَنْفُسِهِمْ بِاَوْلِیَآئِهِ الْمُسْتَضْعَفِیْنَ فِیْۤ اَعْیُنِهِمْ. وَلَقَدْ دَخَلَ مُوْسَی بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهٗ اَخُوْهُ هَارُوْنُ -عَلَیْهِمَا السَّلَامُ- عَلٰی فِرْعَوْنَ، وَ عَلَیْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوْفِ، وَ بِاَیْدِیْهِمَا الْعِصِیُّ، فَشَرَطَا لَهٗ ـ اِنْ اَسْلَمَ ـ بَقَآءَ مُلْكِهٖ، وَ دَوَامَ عِزِّهٖ، فَقَالَ: اَلَا تَعْجَبُوْنَ مِنْ هٰذَیْنِ یَشْرِطَانِ لِیْ دَوَامَ الْعِزِّ، وَ بَقَآءَ الْمُلْكِ، وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ، فَهَلَّاۤ اُلْقِیَ عَلَیْهِمَاۤ اَسَاوِرَةٌ مِّنْ ذَهَبٍ؟ اِعْظَامًا لِّلذَّهَبِ وَ جَمْعِهٖ، وَ احْتِقَارًا لِّلصُّوْفِ وَ لُبْسِهٖ!.
وَ لَوْ اَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهٗ لِاَنْۢبِیَآئِهٖ حَیْثُ بَعَثَهُمْ اَنْ یَّفْتَحَ لَهُمْ كُنُوْزَ الْذِّهْبَانِ، وَ مَعَادِنَ الْعِقْیَانِ، وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَ اَنْ یَّحْشُرَ مَعَهُمْ طُیُوْرَ السَّمَآءِ وَ وُحُوْشَ الْاَرْضِ لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَآءُ، وَ بَطَلَ الْجَزَآءُ، وَ اضْمَحَلَّتِ الْاَنْۢبَآءُ، وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِیْنَ اُجُوْرُ الْمُبْتَلِیْنَ، وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤمِنُوْنَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِیْنَ، وَ لَا لَزِمَتِ الْاَسْمَآءُ مَعَانِیَهَا، وَ لٰكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗ جَعَلَ رُسُلَهٗ اُولِیْ قُوَّةٍ فِیْ عَزَآئِمِهِمْ، وَ ضَعَفَةً فِیْمَا تَرَی الْاَعْیُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَاُ الْقُلُوْبَ وَ الْعُیُوْنَ غِنًی، وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَاُ الْاَبْصَارَ وَ الْاَسْمَاعَ اَذًی.
وَ لَوْ كَانَتِ الْاَنْۢبِیَآءُ اَهْلَ قُوَّةٍ لَّا تُرَامُ، وَ عِزَّةٍ لَّا تُضَامُ، وَ مُلْكٍ تَمْتَدُّ نَحْوَهٗ اَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَ تُشَدُّ اِلَیْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ، لَكَانَ ذٰلِكَ اَهْوَنَ عَلَی الْخَلْقِ فِی الِاعْتِبَارِ، وَ اَبْعَدَ لَهُمْ فِی الْاِسْتَكْبَارِ، وَ لَاٰمَنُوْا عَنْ رَّهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَّهُمْ، اَوْ رَغْبَةٍ مَّآئِلَةٍۭ بِهِمْ، فَكَانَتِ النِّیَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً.
وَ لٰكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗۤ اَرَادَ اَنْ یَّكُوْنَ الْاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهٖ، وَ التَّصْدِیْقُ بِكُتُبِهٖ، وَ الْخُشُوْعُ لِوَجْهِهٖ، وَ الْاِسْتِكَانَةُ لِاَمْرِهٖ، وَ الْاِسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهٖ، اُمُوْرًا لَّهٗ خَاصَّةً، لَا تَشُوْبُهَا مِنْ غَیْرِهَا شَآئِبَةٌ، وَ كُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوٰی وَ الْاِخْتِبَارُ اَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوْبَةُ وَ الْجَزَآءُ اَجْزَلَ.
اَلَا تَرَوْنَ اَنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗ، اخْتَبَرَ الْاَوَّلِیْنَ مِنْ لَّدُنْ اٰدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَیْهِ، اِلَی الْاٰخِرِیْنَ مِنْ هٰذَا الْعَالَمِ، بِاَحْجَارٍ لَّا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ، وَ لَا تُبْصِرُ وَ لَا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَیْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِیْ جَعَلَهٗ لِلنَّاسِ قِیَامًا. ثُمَّ وَضَعَهٗ بِاَوْعَرِ بِقَاعِ الْاَرْضِ حَجَرًا، وَ اَقَلِّ نَتَآئِقِ الدُّنْیَا مَدَرًا، وَ اَضْیَقِ بُطُوْنِ الْاَوْدِیَةِ قُطْرًا، بَیْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَ عُیُوْنٍ وَّشِلَةٍ، وَ قُرًی مُّنْقَطِعَةٍ، لَا یَزْكُوْ بِهَا خُفٌّ وَّ لَا حَافِرٌ وَّ لَا ظِلْفٌ.
ثُمَّ اَمَرَ اٰدَمَ ؑ وَ وَلَدَهٗۤ اَنْ یَّثْنُوْۤا اَعْطَافَهُمْ نَحْوَهٗ، فَصَارَ مَثَابَةً لِّمُنْتَجَعِ اَسْفَارِهِمْ، وَ غَایَةً لِّمُلْقٰی رِحَالِهِمْ، تَهْوِیْۤ اِلَیْهِ ثِمَارُ الْاَفْئِدَةِ مِنْ مَّفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِیْقَةٍ، وَ مَهَاوِیْ فِجَاجٍ عَمِیْقَةٍ، وَ جَزَآئِرِ بِحَارٍ مُّنْقَطِعَةٍ، حَتّٰی یَهُزُّوْا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا یُّهَلِّلُوْنَ لِلّٰهِ حَوْلَهٗ، وَ یَرْمُلُوْنَ عَلٰۤی اَقْدَامِهِمْ شُعْثًا غُبْرًا لَّهٗ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِیْلَ وَرَآءَ ظُهُوْرِهِمْ، وَ شَوَّهُوْا بِاِعْفَآءِ الشُّعُوْرِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلَآءً عَظِیْمًا، وَ امْتِحَانًا شَدِیْدًا، وَ اخْتِبَارًا مُّبِیْنًا، وَ تَمْحِیْصًۢا بَلِیْغًا، جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِّرَحْمَتِهٖ، وَ وُصْلَةً اِلٰی جَنَّتِهٖ.
وَ لَوْ اَرَادَ سُبْحَانَهٗ اَنْ یَّضَعَ بَیْتَهُ الْحَرَامَ، وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَیْنَ جَنَّاتٍ وَّ اَنْهَارٍ، وَ سَهْلٍ وَّ قَرَارٍ، جَمِّ الْاَشْجَارِ، دَانِی الثِّمَارِ، مُلْتَفِّ الْبُنٰی، مُتَّصِلِ الْقُرٰی، بَیْنَ بُرَّةٍ سَمْرَآءَ، وَ رَوْضَةٍ خَضْرَآءَ، وَ اَرْیَافٍ مُّحْدِقَةٍ، وَ عِرَاصٍ مُّغْدِقَةٍ، وَ زُرُوْعٍ نَّاضِرَةٍ، وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَآءِ عَلٰی حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ.
وَ لَوْ كَانَ الْاِسَاسُ الْمَحْمُوْلُ عَلَیْهَا، وَ الْاَحْجَارُ الْمَرْفُوْعُ بِهَا، بَیْنَ زُمُرُّدَةٍِ خَضْرَآءَ، وَ یَاقُوْتَةٍ حَمْرَآءَ، وَ نُوْرٍ وَّ ضِیَآءٍ، لَخَفَّفَ ذٰلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِی الصُّدُوْرِ، وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ اِبْلِیْسَ عَنِ الْقُلُوْبِ، وَ لَـنَفٰی مُعْتَلِجَ الرَّیْبِ مِنَ النَّاسِ. وَ لٰكِنَّ اللهَ یَخْتَبِرُ عِبَادَهٗ بِاَنْوَاعِ الشَّدَآئِدِ، وَ یَتَعَبَّدُهُمْ بِاَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، وَ یَبْتَلِیْهِمْ بِضُرُوْبِ الْمَكَارِهٖ، اِخْرَاجًا لِّلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوْبِهِمْ، وَ اِسْكَانًا لِّلتَّذَلُّلِ فِیْ نُفُوْسِهمْ، وَ لِیَجْعَلَ ذٰلِكَ اَبْوَابًا فُتُحًا اِلٰی فَضْلِهٖ، وَ اَسْبَابًا ذُلُلًا لِّعَفْوِهٖ.
فَاللهَ اللهَ فِیْ عَاجِلِ الْبَغْیِ، وَ اٰجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَ سُوْٓءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَاِنَّهَا مَصْیَدَةُ اِبْلِیْسَ الْعُظْمٰی، وَ مَكِیْدَتُهُ الْكُبْرٰی، الَّتِیْ تُسَاوِرُ قُلُوْبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُوْمِ الْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِیْۤ اَبَدًا، وَ لَا تُشْوِیْۤ اَحَدًا، لَا عَالِمًا لِّعِلْمِهٖ، وَ لَا مُقِلًّا فِیْ طِمْرِهٖ.
وَ عَنْ ذٰلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِیْنَ بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّكَوَاتِ، وَ مُجَاهَدَةِ الصِّیَامِ فِی الْاَیَّامِ الْمَفْرُوْضَاتِ، تَسْكِیْنًا لِّاَطْرَافِهِمْ، وَ تَخْشِیْعًا لِّاَبْصَارِهِمْ، وَ تَذْلِیْلًا لِّنُفُوْسِهِمْ، وَ تَخْفِیْضًا لِّقُلُوْبِهِمْ، وَ اِذْهَابًا لِّلْخُیَلَآءِ عَنْهُمْ، لِمَا فِیْ ذٰلِكَ مِنْ تَعْفِیْرِ عِتَاقِ الْوُجُوْهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعًا، وَ الْتِصَاقِ كَرَآئِمِ الْجَوَارِحِ بِالْاَرْضِ تَصَاغُرًا، وَ لُحُوْقِ الْبُطُوْنِ بِالْمُتُوْنِ مِنَ الصِّیَامِ تَذَلُّلًا، مَعَ مَا فِی الزَّكٰوةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْاَرْضِ وَ غَیْرِ ذٰلِكَ اِلٰۤی اَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَ الْفَقْرِ.
اُنْظُرُوْۤا اِلٰی مَا فِیْ هٰذِهِ الْاَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَ قَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ! وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُّ اَحَدًا مِّنَ الْعٰلَمِیْنَ یَتَعَصَّبُ لِشَیْءٍ مِّنَ الْاَشْیَآءِ اِلَّا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِیْهَ الْجُهَلَآءِ، اَوْ حُجَّةٍ تَلِیْطُ بِعُقُوْلِ السُّفَهَآءِ غَیْرَكُمْ، فَاِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُوْنَ لِاَمْرٍ لَّا یُعْرَفُ لَهٗ سَبَبٌ وَّ لَا عِلَّةٌ.
اَمَّاۤ اِبْلِیْسُ فَتَعَصَّبَ عَلٰۤی اٰدَمَ ؑ لِاَصْلِهٖ، وَ طَعَنَ عَلَیْهِ فِیْ خِلْقَتِهٖ، فَقَالَ: اَنَا نَارِیٌّ وَّ اَنْتَ طِیْنِیٌّ. وَ اَمَّا الْاَغْنِیَآءُ مِنْ مُّتْرَفَةِ الْاُمَمِ، فَتَعَصَّبُوْا لِاٰثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ فَقَالُوْا: ﴿نَحْنُ اَكْثَرُ اَمْوَالًا وَّ اَوْلَادًا ۙ وَّ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِیْنَ﴾.
فَاِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِیَّةِ، فَلْیَكُنْ تَعَصُّبُکُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَ مَحَامِدِ الْاَفْعَالِ، وَ مَحَاسِنِ الْاُمُوْرِ، الَّتِیْ تَفَاضَلَتْ فِیْهَا الْمُجَدَآءُ وَ النُّجَدَآءُ مِنْۢ بُیُوْتَاتِ الْعَرَبِ وَ یَعَاسِیْبِ الْقَبَآئِلِ، بِالْاَخْلَاقِ الرَّغِیْبَةِ، وَ الْاَحْلَامِ الْعَظِیْمَةِ، وَ الْاَخْطَارِ الْجَلِیْلَةِ، وَ الْاٰثَارِ الْمَحْمُوْدَةِ. فَتَعَصَّبُوْا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَ الْوَفَآءِ بِالذِّمَامِ، وَ الطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَ الْمَعْصِیَةِ لِلْكِبْرِ، وَ الْاَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَ الْكَفِّ عَنِ الْبَغْیِ، وَ الْاِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَ الْاِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَ الْكَظْمِ لِلْغَیْظِ، وَ اجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِی الْاَرْضِ.
واحْذَرُوْا مَا نَزَلَ بِالْاُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ بِسُوْٓءِ الْاَفْعَالِ، وَ ذَمِیْمِ الْاَعْمَالِ، فَتَذَكَّرُوْا فِی الْخَیْرِ وَ الشَّرِّ اَحْوَالَهُمْ، وَ احْذَرُوْا اَنْ تَكُوْنُوْۤا اَمْثَالَهُمْ.
فَاِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِیْ تَفَاوُتِ حَالَیْهِمْ، فَالْزَمُوْا كُلَّ اَمْرٍ لَّزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهٖ شَاْنَهُمْ، وَ زَاحَتِ الْاَعْدَآءُ لَهٗ عَنْهُمْ، وَ مُدَّتِ الْعَافِیَةُ فِیْہِ عَلَیْهِمْ، وَ انْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهٗ مَعَهُمْ، وَ وَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَیْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الْاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَ اللُّزُوْمِ لِلْاُلْفَةِ، وَ التَّحَاضِّ عَلَیْهَا، وَ التَّوَاصِیْ بِهَا.
وَ اجْتَنِبُوْا كُلَّ اَمْرٍ كَسَرَ فَقْرَتَهُمْ، وَ اَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوْبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُوْرِ، وَ تَدَابُرِ النُّفُوْسِ، وَ تَخَاذُلِ الْاَیْدِیْ.
وَ تَدَبَّرُوْا اَحْوَالَ الْمَاضِیْنَ مِنَ الْمُؤمِنِیْنَ قَبْلَكُمْ، كَیْفَ كَانُوْا فِیْ حَالِ التَّمْحِیْصِ وَ الْبَلَآءِ. اَ لَمْ یَكُوْنُوْۤا اَثْقَلَ الْخَلَآئِقِ اَعْبَآءً، وَ اَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَآءً، وَ اَضْیَقَ اَهْلِ الدُّنْیَا حَالًا اتَّخَذَتْهُمُ الْفَراعِنَةُ عَبِیْدًا فَسَامُوْهُمْ سُوْٓءَ الْعَذَابِ، وَ جَرَّعُوْهُمُ الْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِیْ ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَا یَجِدُوْنَ حِیْلَةً فِی امْتِنَاعٍ، وَ لَا سَبِیْلًا اِلَی دِفَاعٍ، حَتّٰۤی اِذَا رَاَی اللهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَی الْاَذٰی فِیْ مَحَبَّتِهٖ، وَ الْاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوْهِ مِنْ خَوْفِهٖ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَّضَایِقِ الْبَلَآءِ فَرَجًا، فَاَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ، وَ الْاَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوْا مُلُوْكًا حُكَّامًا، وَ اَئِمَّةً اَعْلَامًا، وَ قَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الْاٰمَالُ اِلَیْهِ بِهِمْ.
فَانْظُرُوْا كَیْفَ كَانُوْا حَیْثُ كَانَتِ الْاَمْلَآءُ مُجْتَمِعَةً، وَ الْاَهْوَآءُ مُؤْتَلِفَةً، وَ الْقُلُوْبُ مُعْتَدِلَةً، وَ الْاَیْدِیْ مُتَرَادِفَةً، وَ السُّیُوْفُ مُتَنَاصِرَةً، وَ الْبَصَآئِرُ نَافِذَةً، وَ الْعَزَآئِمُ وَاحِدَةً، اَلَمْ یَكُوْنُوْا اَرْبَابًا فِیْۤ اَقْطَارِ الْاَرَضِیْنَ، وَ مُلُوْكًا عَلٰی رِقَابِ الْعٰلَمِیْنَ!.
فَانْظُرُوْۤا اِلٰی مَا صَارُوْۤا اِلَیْهِ فِیْۤ اٰخِرِ اُمُوْرِهِمْ، حِیْنَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَ تَشَتَّتَتِ الْاُلْفَةُ، وَ اخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَ الْاَفْئِدَةُ، وَ تَشَعَّبُوْا مُخْتَلِفِیْنَ، وَ تَفَرَّقُوْا مُتَحَارِبِیْنَ، قَدْ خَلَعَ اللهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهٖ، وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهٖ، وَ بَقِیَ قَصَصُ اَخْبَارِهِمْ فِیْكُمْ عِبَرًا لِّلْمُعْتَبِرِیْنَ.
فَاعْتَبِرُوْا بِحَالِ وَلَدِ اِسْمَاعِیْلَ وَ بَنِیْۤ اِسْحَاقَ وَ بَنِیْۤ اِسْرَآئِیْلَ عَلَیْهِمُ السَّلَامُ، فَمَاۤ اَشَدَّ اعْتِدَالَ الْاَحْوَالِ، وَ اَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْاَمْثَالِ! تَاَمَّلُوْا اَمْرَهُمْ فِیْ حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ، لَیَالِیَ كَانَتِ الْاَكَاسِرَةُ وَ الْقَیَاصِرَةُ اَرْبَابًا لَّهُمْ، یَحْتَازُوْنَهُمْ عَنْ رِیْفِ الْاٰفَاقِ، وَ بَحْرِ الْعِرَاقِ، وَ خُضْرَةِ الدُّنْیَا، اِلٰی مَنَابِتِ الشِّیْحِ، وَ مَهَافِی الرِّیْحِ، وَ نَكَدِ الْمَعَاشِ، فَتَرَكُوْهُمْ عَالَةً مَّسَاكِیْنَ اِخْوَانَ دَبَرٍ وَّ وَبَرٍ، اَذَلَّ الْاُمَمِ دارًا، وَ اَجْدَبَهُمْ قَرَارًا، لَا یَاْوُوْنَ اِلٰی جَنَاحِ دَعْوَةٍ یَّعْتَصِمُوْنَ بِهَا، وَ لَاۤ اِلٰی ظِلِّ اُلْفَةٍ یَّعْتَمِدُوْنَ عَلٰی عِزِّهَا، فَالْاَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَ الْاَیْدِیْ مُخْتَلِفَةٌ، وَ الْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِیْ بَلَآءِ اَزْلٍ، و اَطْبَاقِ جَهْلٍ! مِنْۢ بَنَاتٍ مَّوْءُوْدَةٍ، وَ اَصْنَامٍ مَّعْبُوْدَةٍ، وَ اَرْحَامٍ مَّقْطُوْعَةٍ، وَ غَارَاتٍ مَّشْنُوْنَةٍ.
فَانْظُرُوْۤا اِلٰی مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَیْهِمْ حِیْنَ بَعَثَ اِلَیْهِمْ رَسُوْلًا، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهٖ طَاعَتَهُمْ، وَ جَمَعَ عَلٰی دَعْوَتِهٖۤ اُلْفَتَهُمْ، كَیْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَیْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَ اَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِیْمِهَا، وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِیْ عَوَآئِدِ بَرَكَتِهَا، فَاَصْبَحُوْا فِیْ نِعْمَتِهَا غَرِقِیْنَ، وَ فِیْ خُضْرَةِ عَیْشِهَا فَكِهِیْنَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الْاُمُوْرُ بِهِمْ فِیْ ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَ اٰوَتْهُمُ الْحَالُ اِلٰی كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَ تَعَطَّفَتِ الْاُمُوْرُ عَلَیْهِمْ فِیْ ذُرٰی مُلْكٍ ثَابِتٍ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَی الْعٰلَمِیْنَ، وَ مُلُوْكٌ فِیْۤ اَطْرَافِ الْاَرَضِیْنَ، یَمْلِكُوْنَ الْاُمُوْرَ عَلٰی مَنْ كَانَ یَمْلِكُهَا عَلَیْهِمْ، وَ یُمْضُوْنَ الْاَحْكَامَ فِیْمَنْ كَانَ یُمْضِیْهَا فِیْهِمْ! لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَ لَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ!.
اَلَا وَ اِنَّكُمْ قَد نَفَضْتُمْ اَیْدِیَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوْبَ عَلَیْكُمْ، بِاَحْكَامِ الْجَاهِلِیَّةِ، فَاِنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗ قَدِ امْتَنَّ عَلٰی جَمَاعَةِ هٰذِهِ الْاُمَّةِ فِیْمَا عَقَدَ بَیْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هٰذِهِ الْاُلْفَةِ الَّتِیْ یَنْتَقِلُوْنَ فِیْ ظِلِّهَا، وَ یَاْوُوْنَ اِلٰی كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَّا یَعْرِفُ اَحَدٌ مِّنَ الْمَخْلُوْقِیْنَ لَهَا قِیْمَةً، لِاَنَّهَاۤ اَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَ اَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.
وَ اعْلَمُوْۤا اَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ اَعْرَابًا، وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ اَحْزَابًا، مَا تَتَعَلَّقُوْنَ مِنَ الْاِسْلَامِ اِلَّا بِاسْمِهٖ، وَ لَا تَعْرِفُوْنَ مِنَ الْاِیْمَانِ اِلَّا رَسْمَهٗ، تَقُوْلُوْنَ: النَّارَ وَ لَا الْعَارَ! كَاَنَّكُمْ تُرِیْدُوْنَ اَنْ تُكْفِئُوا الْاِسْلَامَ عَلٰی وَجْهِهٖ، انْتِهَاكًا لِّحَرِیْمِهٖ، وَ نَقْضًا لِّمِیْثَاقِهِ الَّذِیْ وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَمًا فِیْۤ اَرْضِهٖ، وَ اَمْنًۢا بَیْنَ خَلْقِهٖ.
وَ اِنَّكُمْ اِنْ لَّجَاْتُمْ اِلٰی غَیْرِهٖ حَارَبَكُمْ اَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَآئِیْلُ وَ لَا مِیْكَآئِیْلُ وَ لَا مُهَاجِرُوْنَ وَ لَاۤ اَنْصَارٌ یَّنْصُرُوْنَكُمْ اِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّیْفِ حَتّٰی یَحْكُمَ اللهُ بَیْنَكُمْ. وَ اِنَّ عِنْدَكُمُ الْاَمْثَالَ مِنْۢ بَاْسِ اللهِ وَ قَوَارِعِهٖ، وَ اَیَّامِهٖ وَ وَقَآئِعِهٖ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوْا وَعِیْدَهٗ جَهْلًۢا بِاَخْذِهٖ، وَ تَهَاوُنًۢا بِبَطْشِهٖ، وَ یاْسًا مِّنْۢ بَاْسِهٖ، فَاِنَّ اللهَ سُبْحَانَهٗ لَمْ یَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِیَ بَیْنَ اَیْدِیْكُمْ اِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْاَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ وَ النَّهْیَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَآءَ لِرُكُوْبِ الْمَعَاصِیْ، وَ الْحُلَمَآءَ لِتَرْكِ الْتَّنَاهِیْ!.
اَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَیْدَ الْاِسْلَامِ، وَ عَطَّلْتُمْ حُدُوْدَهٗ، وَ اَمَتُّمْ اَحْكَامَهٗ.
اَلَا وَ قَدْ اَمَرَنِیَ اللهُ بِقِتَالِ اَهْلِ الْبَغْیِ وَ الْنَّكْثِ وَ الْفَسَادِ فِی الْاَرْضِ: فَاَمَّا النَّاكِثُوْنَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَ اَمَّا الْقَاسِطُوْنَ فَقَدْ جَاهَدْتُّ، وَ اَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَ اَمَّا شَیْطٰنُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِیْتُهٗ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهٖ وَ رَجَّةُ صَدْرِهٖ، وَ بَقِیَتْ بَقِیَّةٌ مِّنْ اَهْلِ الْبَغْیِ، وَ لَئِنْ اَذِنَ اللهُ فِی الْكَرَّةِ عَلَیْهِمْ لَاُدِیْلَنَّ مِنْهُمْ اِلَّا مَا یَتَشَذَّرُ فِیْۤ اَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّرًا!. اَنَا وَضَعْتُ فِی الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ، وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُوْنِ رَبِیْعَةَ وَ مُضَرَ.
وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِیْ مِنْ رَّسُوْلِ اللهِ ﷺ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِیْبَةِ، وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِیْصَةِ: وَضَعَنِیْ فِیْ حِجْرِهٖ وَ اَنَا وَلَدٌ یَّضُمُّنِیْۤ اِلٰی صَدْرِهٖ، وَ یَكْنُفُنِیْ فِیْ فِرَاشِهٖ، وَ یُمِسُّنِیْ جَسَدَهٗ، وَ یُشِمُّنِیْ عَرْفَهٗ. وَ كَانَ یَمْضَغُ الشَّیْءَ ثُمَّ یُلْقِمُنِیْهِ، وَ مَا وَجَدَ لِیْ كَذْبَةً فِیْ قَوْلٍ، وَ لَا خَطْلَةً فِیْ فِعْلٍ.
وَ لَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهٖ ﷺ- مِنْ لَّدُنْ اَنْ كَانَ فَطِیْمًا اَعْظَمَ مَلَكٍ مِّنْ مَّلٰٓئِكَتِهٖ یَسْلُكُ بِهٖ طَرِیْقَ الْمَكَارِمِ، وَ مَحَاسِنَ اَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَیْلَهٗ وَ نَهَارَهٗ، وَ لَقَدْ كُنْتُ اَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِیْلِ اَثَرَ اُمِّهٖ، یَرْفَعُ لِیْ فِیْ كُلِّ یَوْمٍ مِنْ اَخْلَاقِهٖ عَلَمًا، وَ یَاْمُرُنِیْ بِالْاِقْتِدَآءِ بِهٖ، وَ لَقَدْ كَانَ یُجَاوِرُ فِیْ كُلِّ سَنَةٍۭ بِحِرَآءَ، فَاَرَاهُ وَ لَا یَرَاهُ غَیْرِیْ، وَ لَمْ یَجْمَعْ بَیْتٌ وَّاحِدٌ یَّوْمَئِذٍ فِی الْاِسْلَامِ غَیْرَ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ وَ خَدِیْجَةَ وَ اَنَا ثَالِثُهُمَا، اَرٰی نُوْرَ الْوَحْیِ وَ الرِّسَالَةِ، وَ اَشُمُّ رِیْحَ النُّبُوَّةِ.
وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّیْطٰنِ حِیْنَ نَزَلَ الْوَحْیُ عَلَیْهِ- ﷺ فَقُلْتُ: یَا رَسُوْلَ اللهِ! مَا هٰذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: »هٰذَا الشَّیْطٰنُ قَدْ اَیِسَ مِنْ عِبَادَتِهٖ، اِنَّكَ تَسْمَعُ مَاۤ اَسْمَعُ، وَ تَرٰی مَاۤ اَرٰی، اِلَّاۤ اَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِیٍّ، وَ لٰكِنَّكَ وَزِیْرٌ، وَ اِنَّكَ لَعَلٰی خَیْرٍ«.
وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهٗ- ﷺ لَمَّاۤ اَتَاهُ الْمَلَاُ مِنْ قُرَیْشٍ، فَقَالُوْا لَهٗ: یَا مُحُمَّدُ! اِنَّكَ قَدِ ادَّعَیْتَ عَظِیْمًا لَّمْ یَدَّعِهٖۤ اٰبَآؤُكَ وَ لَا اَحَدٌ مِّنْ بَیْتِكَ، وَ نَحْنُ نَسَئَلُكَ اَمْرًا اِنْ اَنْتَ اَجَبْتَنَاۤ اِلَیْهِ وَ اَرَیْتَنَاهُ، عَلِمْنَاۤ اَنَّكَ نَبِیٌّ وَّ رَسُوْلٌ، وَ اِنْ لَّمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَاۤ اَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ -ﷺ: »وَ مَا تَسْئَلُوْنَ؟«. قَالُوْا: تَدْعُوْ لَنَا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ حَتّٰی تَنْقَلِعَ بِعُرُوْقِهَا وَ تَقِفَ بَیْنَ یَدَیْكَ.
فَقَالَ -ﷺ: »اِنَّ اللهَ عَلٰی كُلِّ شَیْءٍ قَدِیْرٌ، فَاِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذٰلِكَ، اَتُؤْمِنُوْنَ وَ تَشْهَدُوْنَ بِالْحَقِّ؟«. قَالُوْا: نَعَمْ. قَالَ: »فَاِنِّیْ سَاُرِیْكُمْ مَا تَطْلُبُوْنَ، وَ اِنِّیْ لَاَعْلَمُ اَنَّكُمْ لَا تَفِیْٓـئُوْنَ اِلٰی خَیْرٍ، وَ اِنَّ فِیْكُمْ مَنْ یُّطْرَحُ فِی الْقَلِیْبِ، وَ مَنْ یُّحَزِّبُ الْاَحْزَابَ«.
ثُمَّ قَالَ -ﷺ: »یَاۤ اَیَّتُهَا الشَّجَرَةُ! اِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِیْنَ بِاللهِ وَ الْیَوْمِ الْاٰخِرِ، وَ تَعْلَمِیْنَ اَنِّیْ رَسُوْلُ اللهِ، فَانْقَلِعِیْ بِعُرُوْقِكِ حَتّٰی تَقِفِیْ بَیْنَ یَدَیَّ بِاِذْنِ اللهِ«. فَوَالَّذِیْ بَعَثَهٗ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوْقِهَا، وَ جَآءَتْ وَ لَهَا دَوِیٌّ شَدِیْدٌ، وَ قَصْفٌ كَقَصْفِ اَجْنِحَةِ الطَّیْرِ، حَتّٰی وَقَفَتْ بَیْنَ یَدَیْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ مُرَفْرِفَةً، وَ اَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْاَعْلٰی عَلٰی رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَ بِبَعْضِ اَغْصَانِهَا عَلٰی مَنْكِبِیْ، وَ كُنْتُ عَنْ یَّمِیْنِهٖ -ﷺ.
فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ اِلٰی ذٰلِكَ قَالُوْا ـ عُلُوًّا وَّ اسْتِكْبَارًاـ: فَمُرْهَا فَلْیَاْتِكَ نِصْفُهَا وَ یَبْقٰی نِصْفُهَا. فَاَمَرَهَا بِذٰلِكَ، فَاَقْبَلَ اِلَیْهِ نِصْفُهَا كَاَعْجَبِ اِقْبَالٍ وَّ اَشَدِّهٖ دَوِیًّا، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُوْلِ اللهِ -ﷺ، فَقَالُوْا ـ كُفْرًا وَعُتُوًّاـ: فَمُرْ هٰذَا النِّصْفَ فَلْیَرْجِـعْ اِلٰی نِصْفِهٖ كَمَا كَانَ. فَاَمَرَهٗ -ﷺ فَرَجَعَ، فَقُلْتُ اَنَا: لَاۤ اِلٰهَ اِلَّا اللهُ، فَاِنِّیْۤ اَوَّلُ مْؤْمِنٍۭ بِكَ یَا رَسُوْلَ اللهِ، وَ اَوَّلُ مَنْ اَقَرَّ بِاَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِاَمْرِ اللهِ تَعَالٰی تَصْدِیْقًۢا بِنُبُوَّتِكَ، وَ اِجْلَالًا لِّكَلِمَتِكَ.
فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِیْبُ السِّحْرِ خَفِیْفٌ فِیْهِ، وَ هَلْ یُصَدِّقُكَ فِیْۤ اَمْرِكَ اِلَّا مِثْلُ هٰذَا! یَعْنُوْنَنِیْ.
وَ اِنِّیْ لَمِنْ قَوْمٍ لَّا تَاْخُذُهُمْ فِی اللهِ لَوْمَةُ لَآئِمٍ، سِیْمَاهُمْ سِیْمَا الصِّدِّیْقِیْنَ، وَ كَلاَمُهُمْ كَلَامُ الْاَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّیْلِ، وَ مَنَارُ النَّهَارِ، مُتَمَسِّكُوْنَ بِحَبْلِ الْقُرْاٰنِ، یُحْیُوْنَ سُنَنَ اللهِ وَ سُنَنَ رَسُوْلِهٖ، لَا یَسْتَكْبِرُوْنَ وَ لَایَعْلُوْنَ، وَ لَا یَغُلُّوْنَ وَ لَا یُفْسِدُوْنَ، قُلُوْبُهُمْ فِی الْجِنَانِ، وَ اَجْسَادُهُمْ فِی الْعَمَلِ!.
خطبة (190): ذم إبليس، وعدم السجود لآدم (تُسَمَّی الْقَاصِعَۃَ)
واسم هذه الخطبة : خطبة القاعة : التي فيها إبليس مذموم. بسبب تكبره وكبرياءه وعدم الركوع لآدم (عليه السلام) وأنه أول من أظهر العدمية وسلك طريق الاستكبار والكبر وقد حذر الناس من اتباع سنته.. الحمد لله الذي لبس حجاب العزة والكبرياء، الذي احتفظ بهاتين الصفتين لنفسه من غير مشاركة، واختارهما لنفسه فقط مع تحريمهما وتحريمهما على غيره، ولعن من يمسه بهذه الصفات من عباده، وهكذا ابتلى ملائكته المقربين حتى يفتخر المتواضعون منهم.. فرز الفاعلين. ولذلك بين الله تعالى أنه عالم بخفايا القلب وما خفي من حجاب الغيب.. قال أنا خالق البشر من طين. فإذا أعددته ونفخت فيه من روحي الخاصة خرتم له ساجدين.. وسجدت الملائكة كلهم، إلا أن إبليس كره أن يسجد له، وبخلقه المادي تفاخر على آدم، وتكبر أمامه من حيث أصله.. ولذلك فإن هذا العدو هو زعيم الحاقدين على الله، وسابق العصاة، الذي، بعد أن وضع أساس التعصب، تصور أن ينزع من الله عزته وجلاله.. لبس ثياب الكبرياء والكبرياء وخلع قناع العجز والتواضع. ثم لا ترى كيف أصغره الله لعظمته، وكيف وضعه لعظمته.. ورزقه ناراً سعيرة في الدنيا والآخرة، ولو شاء الله لخلق آدم بنور يبهر نوره الأبصار، ويغشي العقول جماله، وريحه يخطف الأنفاس.. إنهم يجهلون الواقع حتى لا يميزوا (بين الأخيار والأشرار) من خلال هذا الاختبار.. افصل عنهم الكبر و الكبر و ابعد عنهم الكبرياء و الأنانية. وينبغي أن تأخذ العبرة بما فعل الله بالشيطان، أن صلاته الطويلة الطويلة وتفاخره ساعة واحدة صرف الماء عن الرئتين.. مع أنه عبده ستة آلاف سنة لا يعلم أهي سنين الدنيا أم الآخرة، فمن بقي بعد إبليس الذي يمكن أن ينجو من عذاب الله بارتكاب ذنب مثله؟ فلا يجوز أن يُطرد من الجنة ويُفسِح لإنسان مكاناً في الجنة.. وأمره سواء لأهل السماء وأهل الأرض. وليس بين الله وبين أحد من الخلق مودة تسمح له بفعل الحلال الذي حرمه على جميع أهل العالم.. عباد الله! اتق عدو الله فيؤذيك، ويخدعك بدعوته، ولا يسرع عليك بخيله ورجله، لعمري.. كما قال الله في فمه: "يا رب، وبما أنك أضلتني، فسوف أعرض أمامهم أيضًا حقيقة الخطايا التي في الأرض وأضلهم، مع أنه قال هذا مطلقًا".. وبسبب ظن خاطئ رمى بسهم (في الظلام)، ولكن بني رعونات والإخوة والعصبية والفرسان والكبرياء والجهل أثبتوا صحة كلامه، حتى إذا أطاعه المتمردون منكم أصحاب الأفواه، واشتدت شهوته وجشعه لكم، وخرج الحال من الحجاب وخرج إلى العلن، فسيطر عليكم كاملا، وجاء نحوكم بجيشه وجنوده، ودفعوكم إلى كهوف إذلالاً وجرّك إلى زوابع الذبح والدم وسحقك جرحاً على جرح.. بثقب أعينكم بالرماح، وقطع حناجركم، وثقب أنوفكم، وكسر كل مفصل من مفاصلكم، وبغرس أظافر الهيمنة والهيمنة في أنفكم، فإنكم تنجذبون نحو النار المعدة لكم.. في هذا العالم هناك من سيشعل لك النيران، فمن الضروري أن تجعله مركز حماسك وغضبك، وتكرس له كل جهودك.. لأنه كان يفتخر بأصلك (آدم) في البداية، ويفتخر بعرفك (قدر منزلة)، ويسخر من نسبك (أصل وطينات)، ويهاجمك بفرسانه ويأخذ بيادقه.. إنهم يصطادونك من كل مكان ويجرحون كل أصابعك. لا تستطيعون إنقاذ أنفسكم بأي حيلة أو استراتيجية، ولا تستطيعون منع ذلك بفعل كل ما تستطيعون، وأنتم في دائرة الذل، ودائرة الضيق، وميدان الموت والبلاء والمصيبة، عليكم أن تطفئوا نار الجهل وجمر الجهل المختبئ في قلوبكم.. لأن هذا الكبرياء وحب الذات عند المسلم هو نتيجة وسوسة الشيطان ونرجسيته وفتنته وأكاذيبه ليجعل الضعف والتواضع تاجا.. عزموا أن تدوسوا البر تحت أقدامكم وتنزعوا نير الكبرياء والكبرياء من عنقكم.. أقيموا جبهة التواضع بين عدوكم إبليس وجنوده. لأن في كل فرقة جيشه وأعوانه وفرسانه وجنوده. ولا تكن مثل الذي افتخر بأمه وأخيه. دون أي فضل أو رفعة كتبه الله فيه، إلا أنه بالحسد شعر بعظمة نفسه، والأنانية أشعلت نار الغضب والسخط في قلبه، ونفخ الشيطان في أنفه ريح الكبرياء والكبرياء، فألقي الله عليه اللوم والندم، ووضع عليه ذنوب القتلة إلى يوم القيامة.. ينظر! لقد عصيت الله ظاهرا، وقاتلت المؤمنين طوعا، وانتهت من الظلم والعدوان.. وأحدثوا فسادا في الأرض. اتقوا الله بالكبر والكبر بسبب غرور الجاهلية. لأنها مصدر العداوة والعداء ومركز مكر الشيطان الذي أغوى به الأمم السابقة والأمم الأولى.. حتى أنهم، مع دفعه وجذبه، سرعان ما سقطوا في ظلمات الجهل وحفرة الضلال.. وهناك حالة تشابهت فيها قلوب هؤلاء كلهم، وظلت أحوال القرون واحدة، ومن الكبرياء أن كتمانها يضيق سعة الصدر.. ينظر! وخافوا من اتباع رؤسائكم وشيوخكم الذين يفتخرون بمكانتهم ويفتخرون بعلو نسبهم ويضعون السوء على رأس الله ويرفضون نعمه ليقاوموا حكمه وقدره ويغلبوا على نعمه.. هؤلاء هم الأساس العميق لبناء العدمية، وأعمدة القصر ومحكمة الفتنة وسيوف الكبرياء النسبي للجهل.. فلا تحسدوا ولا تتبعوا أدعياء الإسلام الكاذبين الذين تخلطون مياههم القذرة مع مياهكم النظيفة وتخلطون خطأهم بصوابكم وتفسحون المجال لباطلهم لصالحكم، فهم أساس الفجور.. وتعلقوا بالمعصية. الذي جعله الشيطان راكبًا ضالًا وجيشًا يهاجم به أبناء هذا الجيل الذي يبدو بلسانه أنه يسلب عقولكم ويدخل أعينكم وينفخ في آذانكم.. فجعلك هدفا لسهامه وموطئا لقدمه ولعبا ليديه.. ولا بد لكم من العبرة بما حل على الأمم المتمردة من قبلكم من غضب وعذاب وعذاب ونسور، والاستعانة بالأماكن التي يضطجعون فيها على وجوههم ويسقطون على جنوبهم، ويستعيذون بأقدام الله مما يضعفكم ويتمردون، كما تعوذون من فتنة العصر.. ولو كان الله تعالى قد أباح لأحد من عباده الكبر والحياء لأباحه لأنبيائه وأوليائه الخاصين، ولكنه أبقاهم يشمئزون من الكبر والكبر، ولم يؤثر لهم إلا الحياء.. فأبقوا وجوههم ملتصقة بالأرض، وتراب وجوههم، وظلوا يسجدون للمؤمنين بتواضع وتواضع، وكانوا ضعفاء وعاجزين في الدنيا، ابتلاهم الله بالجوع، وأعانهم من التعب والمشقة.. ورفعهم من فرص الخوف والخطر. هذا الطفل الجميل هو أول ما يضع المال في الاعتبار. لأنك لا تدري كيف يبتلي الله عباده حتى بالمال والقوة، فيقول الله تعالى: ""يحسب هؤلاء القوم أنا الذين نمدهم بالمال والأولاد أنا فيهم مشغولون"". "ولكن ما (الحدث الحقيقي) لا يفهمه هؤلاء" هو حدث مماثل يعامل الله به عباده الذين يفتخرون بأنفسهم بدلاً من أنفسهم.. يأخذ الاختبار. عن طريق أصحابه الذين هم في أعينهم متواضعون (فمثال ذلك) أن موسى (عليه السلام) جاء إلى فرعون مع أخيه هارون (عليه السلام) وعليه صوف على جسده، وفي يديه عصا.. وقال له إنه إذا أسلم ستبقى بلاده ويبقى عرضه سليما.. فقال (لمرؤوسيه) لا تستغربون أن هذين يثيران هذا الأمر معي حتى يتم الحفاظ على شرفي أيضًا.. وهم في حالة مخزية.. وذلك لأنه كان يعتبر الذهب ومقتنياته شيئاً عظيماً ويحتقر تسريحات الشعر.. ولو شاء الله تعالى أنه لما بعث الأنبياء لفتح أفواههم على كنوز الذهب ومعادن الذهب الخالص، وأتاح لهم فلاحي الجنات، ورافقهم طير السماء ودواب الأرض. لم يكن ذلك ضروريا، ومثل هؤلاء المؤمنين لم يكونوا ليستحقوا ثواب الحسنة. وقد يؤيد معناها كلمات أخرى، ولكن الله سبحانه وتعالى يصف رسله بأنهم أقوياء النية وضعفاء الظاهر للعيان، ويعظمهم بهذه القناعة.. الذي يملأ القلوب والأبصار (الرائين والسامعين) فسقاً، ويربط الفقر بأقدامهم، تعذب به العيون من البصر، والآذان من السمع.. ولو كان للأنبياء من القوة والقوة ما لا توجد نية لقمعه، وكان لهم من السلطان والقوة ما لا يمكن تغييره، وكان لهم من السلطان ما تتجه إليه الرقاب، وتسير إليه سروج الركبان، لكان هذا الشيء سهلا جدا في العتاب، وكان بعيدا جدا عن إنكاره، ولآمن الناس لخوف مظلوم، أو إغراء أسباب مقنعة.. ولذلك فإن اتباع رسله، وتصديق كتبه، والتواضع له، والامتثال لأوامره، وطاعته، كل ذلك محفوظ له لا ريب فيه.. كلما كان الاختبار أصعب كلما كانت المكافأة أكبر. ألا ترى أن الله سبحانه قد ابتلى الخلق من آدم إلى آخر هذا المكان بحجارة لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر.. ثم وصفها بأنها منطقة صخرية من بين مساحات الأرض ومكان منخفض التربة من أعلى المستوطنات في العالم ووادي ضيق الجوانب بين أودية وجبال وعرة وسهول رملية ناعمة وينابيع ضحلة وقرى مختلفة لا تزدهر فيها الجمال والخيول والأبقار والماعز.. ولكنه أمر آدم وذريته أن يوجهوا وجوههم إليه، فصار مركز ربح أسفارهم ومحط المهد، حيث تنجذب إليه أرواح الناس من الصحاري القاحلة البعيدة، ومنخفضات الأودية البعيدة، وجزائر الأنهار المنقطعة (من الأرض)، حتى يرتجفون أكتافهم بالطاعة، وترفع أصواتهم حوله.. هم ويركضون إلى الوراء بأقدامهم. في حالة أن شعرهم مبعثر، وأجسادهم مغطاة بالتراب. لقد وضعوا ملابسهم على ظهورهم وأطالوا شعرهم ليبدو وجوههم ممتلئة. وهذه محنة عظيمة، واختبار شديد، واختبار مفتوح، وامتحان شامل. وقد جعله الله مصدر رحمته وسبب الوصول إلى السماء، وإن شاء الله تعالى أن يبني في ذلك المكان بيته الكريم ومساجده الرفيعة، التي تصطف حدائقها ومروجها بالأنهار الجارية، وأرضها ناعمة ناعمة، وفيها عناقيد من الأشجار وعناقيد من الثمرات المنحنية، حيث يوجد شبكة من المباني.. وسلسلة السكان مختلطة. حيثما كان زرع الحنطة المحمرة، والمروج الخضراء، والمروج الخضراء ذات العشب، والحقول المملوءة بالماء، والحقول المتمايلة، والممرات المسكونة، فإنه يخفف من العقوبة بقدر ما خفف من البلاء والفتنة إذا كان الأساس الذي بني عليه هذا البيت والحجر الذي بني عليه من الزمرد الأخضر والياقوت الأحمر، وفيهما نور ونور.. ولو كان هذا الشيء موجوداً لخفف تعارض الشبهات في الصدور، ولمحت شر الشيطان من القلوب، ولذهبت الشكوك عن الناس.. ولكن الله سبحانه يبتلي عباده بمشقات شديدة، ويريد منهم تلك العبادة التي تتم بكل أنواع المشقة، ويبتليهم بجميع أنواع الفواحش، لينزع الكبر والكبر من قلوبهم، ويدخل في نفوسهم الوهن والذل، ويدخلهم إلى أبواب فضله وفضله بهذا الابتلاء والابتلاء.. أعلن أنها وسيلة سهلة للمغفرة. اتقوا الله من فكرة ثواب المعصية في الدنيا وعقوبة القسوة في الآخرة وسوء العاقبة للكبر والكبر، فإن هذا (المعصية والقسوة والاستكبار) شرك عظيم وخدعة عظيمة من الشيطان، يغرس في قلوب الناس كالسم القاتل.. تأثيره لا يذهب سدى، وضربته لا تسيء لأحد. لا من عالم مع علمه، ولا من فقير في خرق بالية. وهذا ما يحفظه الله الحكيم لعباده المؤمنين بالصلاة والزكاة والجهاد في أيام معلومة، فيريح يديه وقدميه.. وبغض أبصارهم عن الضعف، وبخضوع نفوسهم، وتواضع قلوبهم، يزيلون عنهم الكبر والأنانية.. ينظر! وما هي فوائد محو آثار الكبر المرفوعة وقمع علامات الكبر الظاهرة في هذه الأعمال والعبادات؟. نظرت حولي، فلم أجد شخصًا واحدًا في العالم كله متمسكًا بشيء ما، إلا أنه لا بد من وجود سبب ما في عينيه يثير شبهة الجاهلين أو بعض الحجة التي تلتصق بعقول الأغبياء.. فيما عداك أنت مسؤول عن شيء واحد، لكنك لا تعرف أي سبب أو سبب له. خذ إبليس فقد أظهر كبرياءه وجهله أمام آدم بسبب أصله (النار) وآذاهم بسبب خلقه ومولده. قال: لقد كبرنا في الأموال والأولاد، فكيف نعاقب؟. والآن، إذا كان لا بد من الفخر، فافتخر بنقاوة أخلاقه وأخلاقه الرفيعة وحسن خلقه، التي كان زعماء العائلات العربية النبيلة والشجعان يثبتون فيها تفوقهم على بعضهم البعض بأخلاقهم الطيبة وحكمتهم العالية ومكانتهم الرفيعة وإنجازاتهم المفضلة.. أنت أيضًا تفضل هذه الصفات الرائعة. كحفظ حقوق الجيران والوفاء بالالتزامات. مخالفة الصالحين، والطاعة والطاعة للقادة، والالتزام بحسن الخلق، والابتعاد عن القسوة والظلم، والاستعاذة من سفك الدماء، وطلب العدل من أهل الله، وشرب الغضب، وتجنب الشر في الأرض بما أنزل عليكم من العقوبات والأخلاق السيئة، وفي السراء والضراء، وتذكروا أحوالهم وأعمالهم، وخافوا من هذا الأمر حتى لا تكونوا مثلهم في أي مكان.. يذهب. فإذا نظرت إلى أحوالهم جميعا، فالتزم بهذا الشيء، الذي صاحبه الشرف والتفوق في جميع الأحوال، وابتعد عنهم الأعداء، وعم عليهم الرفاهية والسلام.. وصارت النعم أنفاقاً وأصبحت معهم وارتبط بهم الشرف والشرف. (وما تلك الأشياء) أن يجتنبوا الاختلاف ويتمسكوا بالوحدة. على هذا كانوا يشجعون بعضهم البعض ويوصون بالراسي لبعضهم البعض ويجب تجنب كل ما يكسر عمودهم الفقري ويغير قوتهم وطاقتهم بصريا.. (وذلك) بما فيهم من غل في قلوبهم وغل في صدورهم، وتولوا على عون بعضهم البعض، ورفعوا أيديهم تعاونا.. ولا بد لك من أن تفكر في أحداث وأحوال أهل الإيمان قديما، كيف كان حالهم في الابتلاءات والمحن. وقد وصل الأمر إلى أنهم يسيرون في ذل الدمار والموت وغضب الهيمنة والهيمنة.. ولم تكن هناك خطة لإنقاذهم ولا وسائل الوقاية. وحتى عندما رأى الله سبحانه وتعالى أنهم يصبرون على عذابات حبي ومعاناة أفكاري، فتح لهم سبل التوسع من ضيق المعاناة والبلاء ونالوا ذلهم عزا ومجدا.. يعتبر! أنه لما اجتمعت جماعتهم، واتحدت أفكارهم، وكانت قلوبهم واحدة، وأيديهم تساند بعضها بعضا، وكان بعضهم لبعض سيفا ونصيرا، وكانت رؤيتهم حادة واتحدت نياتهم، فما كان علمهم في ذلك الوقت، أليسوا حكاما في الأرض متسلطين على رقاب أهل العالم؟ وانظر إلى هذا الجانب من الصورة!. تم تعطيل التضامن. وحدثت الخلافات في أقوالهم وقلوبهم، وانقسموا إلى فصائل مختلفة وبدأوا يقاتلون بعضهم البعض في مجموعات متفرقة. ثم جاء دورهم أن نزع الله عنهم رداء العزة والعظمة، ونزع عنهم راحة النعم، وصارت قصص أحداثهم أمثلة بينكم.. (والآن فقط) خذ العبرة من أحوال بني إسماعيل وبني إسحاق وبني يعقوب. ما مدى تشابه الشروط وما مدى تشابه الأساليب. فلما تناثروا وتناثروا، فكر في الأحداث التي جرت عندما كان الملوك والسلاطين يحكمون روما، دفعوهم إلى حقول العراق الخضراء وأنهار العراق وخضرة العالم إلى ممرات الرياح القاحلة ومشاكل الاقتصاد، وأخيرا أصبحوا الفقراء والمساكين وراعي الإبل ذات الظهور المصابة وصاحب أكواخ الشعر.. كانوا يتركونها وشأنها. كانت منازلهم أكثر تهالكًا من بقية العالم، ودمر الجفاف ملاجئهم، ولم يكن لديهم صوت يعتمدون عليه، ولا ظل حب يعتمدون عليه.. تبعثرت أحوالهم، واختلفت أيديهم، وتفرقت جموعهم، وجنودهم يرقدون طبقات فوق طبقات من البؤس والجهل، وكأن البنات على قيد الحياة (تُعبد الأصنام من بيت إلى بيت)، وقد انقطعت العلاقات، وأصبح الغنائم سوقاً ساخناً.. ينظر! فكم أنعم الله عليهم، حتى أرسل فيهم رسوله، فربطهم على طاعته، وجمعهم في مركز وحدة، ولأن السعادة غمرتهم بركاتها، وأجرت عليهم أنهار المغفرة والرخاء، وغمرهم الشرع بفوائد بركاته الكثيرة، فسكروا من بركاتها، واسترخوا في نضارة حياتها، وفي ظل حاكم مسلط.. وثبت الظل في جميع مجالات حياته، ووضعته أحواله في جانب الغلبة والعظمة، وسجدت عليه البركات في قمم الإمبراطورية الشامخة.. أصبح حاكم العالم كله وصاحب العرش والتاج بثياب الأرض وبسبب القيود كان تحت سيطرة الآخرين.. والآن قيدوهم وسيطروا عليهم. لا يمكن انتزاع ذيولهم ولا يمكن كسر فكيهم. ينظر! حررت يديك من أغلال الطاعة واخترقت السياج الذي أقامته حولك أساليب الجاهلية. لقد أنعم الله تعالى على أبناء هذه الأمة بهذه النعمة التي لا يعلم قيمتها أحد من الخلق، فهو أعلى من كل شيء وفوق كل شرف.. وأنه أقام بينهم رباطاً (الإسلام) يصلون في ظله إلى مقصودهم وإلى جانبه يلجأون.. واعلموا أنكم بعد وداع (الجهل والجهل) انقسمتم إلى فئات مختلفة بعد صحراء الشر والصداقة المتبادلة.. ولكنهم لن يقبلوا ذلك، حتى لو أردتم تشويه الإسلام ونقض عهده وقلبه رأساً على عقب، ذلك العهد الذي أعلنه الله عز وجل في الأرض وسلاماً بين الخلق.. (واذكروا) أنكم إن توجهتم إلى غير الإسلام يقاتلكم الكفار، فلا جبريل وميكائيل، ولا أنصار ولا مهاجر ينصرونكم، إلا تضاربت السيوف حتى يحكم الله بينكم.. ولا تجعل غضبه وعقوبته بعيدا بالجهل بقبضته، والتهوين من قبضته، والغفلة عن شدته.. وقد أبعد الله تعالى الأمم السابقة عن رحمته لمجرد إعراضهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولذلك لعن الله السفهاء بذنوبهم والحكماء الذين لا يرجعون عن أخطائهم.. ينظر! لقد كسرتم قيود الإسلام، وأبطلتم حدوده، وأبطلتم أوامره. واعلم أن الله أمرني بجهاد المتمردين والنقض والمفسدين في الأرض.. ولذلك قمت بالجهاد ضد عصاة الحرب (أهل السفين) وتعرض الكفار (خوارج النهروان) للذل الكامل.. لكن الشيطان في الحفرة 5 (يسقط في الموت).. انتهت الحملة بالنسبة لي. مع صرخة شديدة لدرجة أن صوت دقات قلبه وارتفاع صدره وصل إلى أذني.. الآن لا يزال بعض المتمردين باقين، إذا سمح الله لي بمهاجمتهم مرة أخرى، سأحول ثرواتهم وإمبراطوريتهم إلى الجانب الآخر (عندها) سيتم إنقاذ هؤلاء الأشخاص الذين سيكونون منتشرين في الحدود البعيدة لمدن مختلفة.. وأنت تعلم أنه من شدة محبتي واحترامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان موقفي معه. كنت طفلاً حين أخذني الرسول بين ذراعيه.. وكان ملتصقا بصدره. كان يمنحني مكانًا على جانبي في السرير ويعطيني رائحته. كنت في البداية تمضغ الشيء ثم تصنع منه فتاتاً وتضعه في فمي. لم يشكوا في كذب أي من كلامي، ولم يروا ضعفًا في أي من أفعالي. منذ فطامك، قد جعل الله معك ملكا من الملائكة، روح القدس، يهديهم ليلا ونهارا على طريق الأخلاق الفاضلة، وتتبعهم كما يتبع الجمل أمه.. وكان يرفع لي في كل يوم مقاييس حسن الخلق ويأمرني بالاقتداء بها، وفي كل سنة كان يقيم في (جبل) الحارة لا يراه أحد هناك غيري.. ولم يكن في ذلك الوقت إسلام بين جدران البيت الأربعة إلا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة، وكنت ثالثهما.. فلما نزل عليك الوحي سمعت نداء من الشيطان، فقلت: يا رسول الله، ما هذا الصوت؟. وقال إن الشيطان هو الذي خاب من عبادته (يا علي). ما أسمعه تسمعونه أيضًا وما أراه تراه أيضًا. الفرق أنك لست نبياً بل وزيراً وخليفاً، وأنت حتماً على طريق الخير.. كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته نفر من قريش فقالوا له: يا محمد، لقد دعوت عظيما.. لم يقدم والدك ولا أي شخص آخر في عائلتك مثل هذا الادعاء. نحن نطلب منك شيئا واحدا. فإن أتممت ذلك وبينت لنا صدقنا أنك نبي ورسول. قال: «أقم، إن الله على كل شيء قدير».. لو فعل هذا من أجلك، هل تصدقين؟. وهل ستشهد للحق؟ قالوا نعم.. إن منكم من سيُلقى في المعركة، ومنكم من سينقسم إلى أحزاب.. ثم قال يا شجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتؤمنين أني رسول الله.. فاصعد بجذورك حتى تأتي وتبقى أمامي بأمر الله. (وكان النبي يقول: والذي بعثك بالحق، لقد اقتلعت الشجرة، فجاءت حتى تطير كخفقة أجنحة الطير حتى تمايلت وتمايلت).. فلما رأت قريش ذلك قالوا له في استكبار واستكبار: أن يأتيك نصفهم وليبقى النصف في مكانهم.. فأمرت به، فجاء إليك نصفه حتى جاء بصوت أعلى من ذي قبل، فلما اقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا كفراً وكفراً: الآن مر هذا النصف ليرجع إلى قسمه الآخر كما كان. وكان غريب الهيئة وأعلى صوتا، وهو الآن قريب من الالتصاق برسول الله صلى الله عليه وسلم. والآن كفر وقال: الآن مر هذا النصف ليرجع إلى جانبه الآخر كما كان من قبل. فأمر فرجع. فقلت: والله يا رسول الله، أنا أول من آمن بك، وأول من اعترف بأن شجرتها قد بأمر الله، إن ما تم من تأكيد نبوتك وإظهار عظمة كلمتك وعلوها أمر مهم حقا.. (لا تقلب عينًا) بعد سماع ذلك، بدأت الأمة كلها تقول إنهم (العياذ بالله) كذابون وسحرة على أعلى مستوى.. سحرهم غريب وهناك أيضاً من يتقنه ويستطيع أن يؤكد لك على هذا الأمر مثلهم تماماً، وكان يقصدني (قل ما تريد). يسامحون ولا يفتخرون ولا يخونون ولا يفسدون. قلوبهم معلقة في الجنة، وأبدانهم في العمل..
