خطبة خطبة : 81

خطبة (81): الموت وحالة الإنسان بعد الموت (وَ ھِیَ مِنَ الْخُطَبِ الْعَجِیْبَةِ وَ تُسَمَّی «الْغَرَّآءَ»:)

اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِیْ عَلَا بِحَوْلِهٖ، وَ دَنَا بِطَوْلِهٖ، مَانِحِ كُلِّ غَنِیْمَةٍ وَّ فَضْلٍ، وَ كَاشِفِ كُلِّ عَظِیْمَةٍ وَ اَزْلٍ. اَحْمَدُهٗ عَلٰی عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَ سَوَابِـغِ نِعَمِهٖ، وَ اُوْمِنُ بِهٖ اَوَّلًۢا بَادِیًا، وَ اَسْتَهْدِیْهِ قَرِیْبًا هَادِیًا، وَ اَسْتَعِیْنُهٗ قَادِرًا قَاهِرًا، وَ اَتَوَكَّلُ عَلَیْهِ كَافِیًا نَاصِرًا. وَ اَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُهٗ وَ رَسُوْلُهٗ، اَرْسَلَهٗ لِاِنْفَاذِ اَمْرِهٖ، وَ اِنْهَآءِ عُذْرِهٖ وَ تَقْدِیْمِ نُذُرِهٖ.
اُوصِیْكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَی اللهِ الَّذِیْ ضَرَبَ لَکُمُ الْاَمْثَالَ، وَ وَقَّتَ لَكُمُ الْاٰجَالَ، وَ اَلْبَسَكُمُ الرِّیَاشَ، وَ اَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ، وَ اَحَاطَ بِكُمُ الْاِحْصَآءَ، وَ اَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَآءَ، وَ اٰثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِـغِ، وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِغِ، وَ اَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ، فَاَحْصَاكُمْ عَدَدًا، وَ وَظَّفَ لَكُمْ مُدَدًا، فِیْ قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَ دَارِ عِبْرَةٍ، اَنْتُمْ مُّخْتَبَرُوْنَ فِیْهَا، وَ مُحَاسَبُوْنَ عَلَیْهَا.
فَاِنَّ الدُّنْیَا رَنِقٌ مَّشْرَبُهَا، رَدِغٌ مَّشْرَعُهَا، یُوْنِقُ مَنْظَرُهَا، وَ یُوْبِقُ مَخْبَرُهَا، غُرُوْرٌ حَآئِلٌ، وَ ضَوْءٌ اٰفِلٌ، وَ ظِلٌّ زآئِلٌ، وَ سِنَادٌ مَّآئِلٌ، حَتّٰۤی اِذَا اَنِسَ نَافِرُهَا، وَ اطْمَاَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِاَرْجُلِهَا، وَ قَنَصَتْ بِاَحْبُلِهَا، وَ اَقْصَدَتْ بِاَسْهُمِهَا، وَ اَعْلَقَتِ الْمَرْءَ اَوْهَاقَ الْمَنِیَّةِ قَآئِدَةً لَّهٗۤ اِلٰی ضَنْكِ الْمَضْجَعِ، وَ وَحْشَةِ الْمَرْجِـعِ، وَ مُعَایَنَةِ الْمَحَلِّ، وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ، وَ كَذٰلِكَ الْخَلَفُ یَعْقُبُ السَّلَفَ، لَا تُقْلِعُ الْمَنِیَّةُ اخْتِرَامًا، وَ لَایَرْعَوِی الْبَاقُوْنَ اجْتِرَامًا، یَحْتَذُوْنَ مِثَالًا، وَ یَمْضُوْنَ اَرْسَالًا، اِلٰی غَایَةِ الْاِنْتِهَآءِ، وَ صَیُّوْرِ الْفَنَآءِ.
حَتّٰۤی اِذَا تَصَرَّمَتِ الْاُمُوْرُ، وَ تَقَضَّتِ الدُّهُوْرُ، وَ اَزِفَ النُّشُوْرُ، اَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَآئِحِ الْقُبُوْرِ، وَ اَوْكَارِ الطُّیُوْرِ، وَ اَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَ مَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعًا اِلٰۤی اَمْرِهٖ، مُهْطِعِیْنَ اِلٰی مَعَادِهٖ، رَعِیْلًا صُمُوْتًا، قِیَامًا صُفُوْفًا، یَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَ یُسْمِعُهُمُ الدَّاعِیْ، عَلَیْهِمْ لَبُوْسُ الْاِسْتِكَانَةِ، وَ ضَرَعُ الْاِسْتِسْلَامِ وَ الذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِیَلُ، وَ انْقَطَعَ الْاَمَلُ، وَ هَوَتِ الْاَفْئِدَةُ كَاظِمَةً، وَ خَشَعَتِ الْاَصْوَاتُ مُهَیْنِمَةً، وَ اَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَ عَظُمَ الشَّفَقُ، وَ اُرْعِدَتِ الْاَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِیْ اِلٰی فَصْلِ الْخِطَابِ، وَ مُقَایَضَةِ الْجَزَآءِ، وَ نَكَالِ الْعِقَابِ، وَ نَوَالِ الثَّوَابِ.
عِبَادٌ مَّخْلُوْقُوْنَ اقْتِدَارًا، وَ مَرْبُوْبُوْنَ اقْتِسَارًا، وَ مَقْبُوْضُوْنَ احْتِضَارًا، وَ مُضَمَّنُوْنَ اَجْدَاثًا، وَ كَآئِنُوْنَ رُفَاتًا، وَ مَبْعُوْثُوْنَ اَفْرَادًا، وَ مَدِیْنُوْنَ جَزَآءً، وَ مُمَیَّزُوْنَ حِسَابًا قَدْ اُمْهِلُوْا فِیْ طَلَبِ الْمَخْرَجِ، وَ هُدُوْا سَبِیْلَ الْمَنْهَجِ، وَ عُمِّرُوْا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ، وَ كُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّیَبِ، وَ خُلُّوْا لِـمِضْمَارِ الْجِیَادِ، وَ رَوِیَّةِ الْاِرْتِیَادِ، وَ اَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ، فِیْ مُدَّةِ الْاَجَلِ، وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ.
فَیَالَهَا اَمْثَالًا صَآئِبَةً، وَ مَوَاعِظَ شَافِیَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوْبًا زَاكِیَةً، وَ اَسْمَاعًا وَّاعِیَةً، وَ اٰرَآءً عَازِمَةً، وَ اَلْبَابًا حَازِمَةً!.
فَاتَّقُوا اللهَ تَقِیَّةَ مَنْ سَمِـعَ فَخَشَعَ، وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَ وَجِلَ فَعَمِلَ، وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ، وَ اَیْقَنَ فَاَحْسَنَ، وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ، وَ حُذِّرَ فَازْدَجَرَ، وَ اَجَابَ فَاَنَابَ، وَ رَجَعَ فَتَابَ، وَ اقْتَدٰی فَاحْتَذٰی، وَ اُرِیَ فَرَاٰی، فَاَسْرَعَ طَالِبًا، وَ نَجَا هَارِبًا، فَاَفَادَ ذَخِیْرَةً، وَ اَطَابَ سَرِیْرَةً، وَ عَمَّرَ مَعَادًا، وَ اسْتَظْهَرَ زَادًا لِّیَوْمِ رَحِیْلِهٖ وَ وَجْهِ سَبِیْلِهٖ، وَ حَالِ حَاجَتِهٖ، وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهٖ، وَ قَدَّمَ اَمَامَهٗ لِدَارِ مُقَامِهٖ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ! جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهٗ، وَ احْذَرُوْا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَّفْسِهٖ، وَ اسْتَحِقُّوْا مِنْهُ مَاۤ اَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِیْعَادِهٖ، وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهٖ.
جَعَلَ لَكُمْ اَسْمَاعًا لِّتَعِیَ مَا عَنَاهَا، وَ اَبْصَارًا لِّتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا، وَ اَشْلَآءً جَامِعَةً لِّاَعْضَآئِهَا، مُلَآئِمَةً لِاَحْنَآئِهَا فِیْ تَرْكِیْبِ صُوَرِهَا، وَ مُدَدِ عُمُرِهَا،بِاَبْدَانٍ قَآئِمَةٍۭ بِاَرْفَاقِهَا، وَ قُلُوْبٍ رَآئِدَةٍ لِّاَرْزَاقِهَا، فِیْ مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهٖ، وَ مُوْجِبَاتِ مِنَنِهٖ، وَ حَوَاجِزِ عَافِیَتِهٖ.
وَ قَدَّرَ لَكُمْ اَعْمَارًا سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَرًا مِّنْ اٰثَارِ الْمَاضِیْنَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُّسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ، وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ. اَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَایَا دُوْنَ الْاٰمَالِ، وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْاٰجَالِ، لَمْ یَمْهَدُوْا فِیْ سَلَامَةِ الْاَبْدَانِ، وَ لَمْ یَعْتَبِرُوْا فِیْۤ اُنُفِ الْاَوَانِ.
فَهَلْ یَنْتَظِرُ اَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ اِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ؟ وَ اَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ اِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَ اَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَآءِ اِلَّاۤ اٰوِنَةَ الْفَنَآءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّیَالِ، وَ اُزُوْفِ الْاِنْتِقَالِ، وَ عَلَزِ الْقَلَقِ، وَ اَلَمِ الْمَضَضِ، وَ غُصَصِ الْجَرَضِ، وَ تَلَفُّتِ الْاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَ الْاَقْرِبَآءِ، وَ الْاَعِزَّةِ وَ الْقُرَنَآءِ! فَهَلْ دَفَعَتِ الْاَقَارِبُ، اَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟
وَ قَدْ غُوْدِرَ فِیْ مَحَلَّةِ الْاَمْوَاتِ رَهِیْنًا، وَ فِیْ ضِیْقِ الْمَضْجَعِ وَحِیْدًا، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهٗ، وَ اَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهٗ، وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ اٰثَارَهٗ، وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهٗ، وَ صَارَتِ الْاَجْسَادُ شَحِبَةًۢ بَعْدَ بَضَّتِهَا، وَ الْعِظَامُ نَخِرَةًۢ بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَ الْاَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةًۢ بِثِقَلِ اَعْبَآئِهَا، مُوْقِنَةًۢ بِغَیْبِ اَنْۢبَآئِهَا، لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا، وَ لَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَیِّئِ زَلَلِهَا!.
اَوَ لَسْتُمْ اَبْنَآءَ الْقَوْمِ وَ الْاٰبَآءَ، وَ اِخْوَانَهُمْ وَالْاَقْرِبَآءَ؟ تَحْتَذُوْنَ اَمْثِلَتَهُمْ، وَ تَرْكَبُوْنَ قِدَّتَهُمْ، وَ تَطَؤُوْنَ جَادَّتَهُمْ؟! فَالْقُلُوْبُ قَاسِیَةٌ عَنْ حَظِّهَا، لَاهِیَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِیْ غَیْرِ مِضْمَارِهَا! كَاَنَّ الْمَعْنِیَّ سِوَاهَا، وَ كَاَنَّ الرُّشْدَ فِیْۤ اِحْرَازِ دُنْیَاهَا.
وَ اعْلَمُوْۤا اَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَی الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهٖ، وَ اَهَاوِیْلِ زَلَـلِهٖ، وَ تَارَاتِ اَهْوَالِهٖ.
فَاتَّقُوا اللهَ تَقِیَّةَ ذِیْ لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهٗ، وَ اَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهٗ، وَ اَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهٖ، وَ اَظْمَاَ الرَّجَآءُ هَوَاجِرَ یَوْمِهٖ، وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهٖ، وَ اَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهٖ، وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِاَمَانِهٖ، وَ تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَّضَحِ السَّبِیْلِ، وَ سَلَكَ اَقْصَدَ الْمَسَالِكَ اِلَی النَّهْجِ الْمَطْلُوْبِ، وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُوْرِ، وَ لَمْ تَعْمَ عَلَیْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْاُمُوْرِ، ظَافِرًۢا بِفَرْحَةِ الْبُشْرٰی، وَ رَاحَةِ النُّعْمٰی،فِیْۤ اَنْعَمِ نَوْمِهٖ، وَ اٰمَنِ یَوْمِهٖ. قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِیْدًا، وَ قَدَّمَ زَادَ الْاٰجِلَةِ سَعِیْدًا، وَ بَادَرَ مِنْ وَّجَلٍ، وَ اَكْمَشَ فِیْ مَهَلٍ، وَ رَغِبَ فِیْ طَلَبٍ، وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَ رَاقَبَ فِیْ یَوْمِهٖ غَدَهٗ، وَ نَظَرَ قُدُمًا اَمَامَهٗ.
فَكَفٰی بِالْجَنَّةِ ثَوَابًا وَّ نَوَالًا، وَ كَفٰی بِالنَّارِ عِقَابًا وَّ وَبَالًا! وَ كَفٰی بِاللهِ مُنْتَقِمًا وَّ نَصِیْرًا! وَ كَفٰی بِالْكِتَابِ حَجِیْجًا وَّ خَصِیْمًا!.
اُوْصِیْكُمْ بِتَقْوَی اللهِ الَّذِیْۤ اَعْذَرَ بِمَاۤ اَنْذَرَ، وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وَ حَذَّرَكُمْ عَدُوًّا نَّفَذَ فِی الصُّدُوْرِ خَفِیًّا، وَ نَفَثَ فِی الْاٰذَانِ نَجِیًّا، فَاَضَلَّ وَ اَرْدٰی، وَ وَعَدَ فَمَنّٰی،وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ الْجَرَآئِمِ، وَ هَوَّنَ مُوْبِقَاتِ الْعَظَآئِمِ، حَتّٰۤی اِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِیْنَتَهٗ، وَ استَغْلَقَ رَهِیْنَتَهٗ، اَنْكَرَ مَا زَیَّنَ، وَ اسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَ حَذَّرَ مَاۤ اَمَّنَ.
اَمْ هٰذَا الَّذِیْۤ اَنْشَاَهٗ فِیْ ظُلُمٰتِ الْاَرْحَامِ، وَ شُغُفِ الْاَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقًا، وَ عَلَقَةً مُّحَاقًا، وَ جَنِیْنًا وَّ رَاضِعًا، وَ وَلِیْدًا وَّ یَافِعًا. ثُمَّ مَنَحَهٗ قَلْبًا حَافِظًا، وَ لِسَانًا لَّافِظًا، وَ بَصَرًا لَّاحِظًا، لِیَفْهَمَ مُعْتَبِرًا، وَ یُقَصِّرَ مُزْدَجِرًا.
حَتّٰۤی اِذَا قَامَ اعْتِدَالُهٗ، وَ اسْتَوٰی مِثَالُهٗ، نَفَرَ مُسْتَكْبِرًا، وَ خَبَطَ سَادِرًا، مَاتِحًا فِیْ غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحًا سَعْیًا لِّدُنْیَاهُ، فِیْ لَذَّاتِ طَرَبِهٖ، وَ بَدَوَاتِ اَرَبِهٖ، لَا یَحْتَسِبُ رَزِیَّةً، وَ لَا یَخْشَعُ تَقِیَّةً، فَمَاتَ فِیْ فِتْنَتِهٖ غَرِیْرًا، وَ عَاشَ فِیْ هَفْوَتِهٖ یَسِیْرًا، لَمْ یُفِدْ عِوَضًا، وَ لَمْ یَقْضِ مُفْتَرَضًا.
دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِیَّةِ فِیْ غُبَّرِ جِمَاحِهٖ، وَ سَنَنِ مِرَاحِهٖ، فَظَلَّ سَادِرًا، وَ بَاتَ سَاهِرًا، فِیْ غَمَرَاتِ الْاٰلَامِ وَ طَوَارِقِ الْاَوْجَاعِ وَ الْاَسْقَامِ، بَیْنَ اَخٍ شَقِیْقٍ، وَ وَالِدٍ شَفِیْقٍ، وَ دَاعِیَةٍۭ بِالْوَیْلِ جَزَعًا، وَ لَادِمَةٍ لِّلصَّدْرِ قَلَقًا. وَ الْمَرْءُ فِیْ سَكْرَةٍ مُّلْهِیَةٍ، وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ، وَ اَنَّةٍ مُّوْجِعَةٍ، وَ جَذْبَةٍ مُّكْرِبَةٍ وَّ سَوْقَةٍ مُّتْعِبَةٍ.
ثُمَّ اُدْرِجَ فِیْۤ اَكْفَانِهٖ مُبْلِسًا، وَ جُذِبَ مُنْقَادًا سَلِسًا، ثُمَّ اُلْقِیَ عَلَی الْاَعَوادِ رَجِیْعَ وَصَبٍ، وَ نِضْوَ سَقَمٍ، تَحْمِلُهٗ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ، وَ حَشَدَةُ الْاِخْوَانِ، اِلٰی دَارِ غُرْبَتِهٖ، وَ مُنْقَـطَعِ زَوْرَتِهٖ.
حَتّٰی اِذَا انْصَرَفَ الْمُشَیِّـعُ، وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّـعُ اُقْعِدَ فِیْ حُفْرَتِهٖ نَجِیًّا، لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ، وَ عَثْرَةِ الْاِمْتِحَانِ. وَ اَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِیَّةً نُّزُوْلُ الْحَمِیْمِ، وَ تَصْلِیَةُ الْجَحِیْمِ، وَ فَوْرَاتُ السَّعِیْرِ، وَ سَوْرَاتُ الزَّفِیْرِ، لَا فَتْرَةٌ مُّرِیْحَةٌ، وَ لَا دَعَةٌ مُّزِیْحَةٌ، وَ لَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَ لَا مَوْتَةٌ نَّاجِزَةٌ، وَ لَا سِنَةٌ مُّسَلِّیَةٌ، بَیْنَ اَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ، وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ! اِنَّا بِاللهِ عَآئِذُوْنَ!.
عِبَادَ اللهِ! اَیْنَ الَّذِیْنَ عُمِّرُوْا فَنَعِمُوْا، وَ عُلِّمُوْا فَفَهِمُوْا، وَ اُنْظِرُوْا فَلَهُوْا، وَ سَلِمُوْا فَنَسُوْا؟ اُمْهِلُوْا طَوِیْلًا، وَ مُنِحُوْا جَمِیْلًا، وَ حُذِّرُوْا اَلِیْمًا، وَ وُعِدُوْا جَسِیْمًا! احْذَرُوا الذُّنُوْبَ الْمُوَرِّطَةَ، وَ الْعُیُوْبَ الْمُسْخِطَةَ.
اُولِی الْاَبْصَارِ وَ الْاَسْمَاعِ، وَ الْعَافِیَةِ وَ الْمَتَاعِ! هَلْ مِنْ مَّنَاصٍ اَوْ خَلَاصٍ، اَوْ مَعَاذٍ اَوْ مَلَاذٍ، اَوْ فِرَارٍ اَوْ مَحَارٍ! اَمْ لَا؟ ﴿فَاَنّٰی تُؤْفَكُوْنَ۝﴾! اَمْ اَیْنَ تُصْرَفُوْنَ! اَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّوْنَ؟ وَ اِنَّمَا حَظُّ اَحَدِكُمْ مِنَ الْاَرْضِ، ذَاتِ الطُّوْلِ وَ الْعَرْضِ، قِیْدُ قَدِّهٖ، مُتَعَفِّرًا عَلٰی خَدِّهٖ!.
اَلْاٰنَ عِبَادَ اللهِ! وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ، وَ الرُّوْحُ مُرْسَلٌ، فِیْ فَیْنَةِ الْاِرْشَادِ، وَ رَاحَةِ الْاَجْسَادِ، وَ بَاحَةِ الْاِحْتِشَادِ، وَ مَهَلِ الْبَقِیَّةِ، وَ اُنُفِ الْمَشِیَّةِ، وَ اِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ قَبْلَ الضَّنْكِ وَ الْمَضِیْقِ، وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوْقِ، وَ قَبْلَ قُدُوْمِ الْغَآئِبِ الْمُنتَظَرِ، وَ اِخْذَةِ الْعَزِیْزِ الْمُقْتَدِرِ.

هذه الخطبة تسمى بخطبة الغرة، وهي من أبرز خطب أمير المؤمنين: الحمد لله عزيز في قدرته، قريب في كرمه.. يا مُنعم كل خير وزيادة، و مُزيل كل بلية و بلاء. وأحمده على آلائه وبركاته الكثيرة. أؤمن به لأنه الأول الظاهر، وأستخيره لأنه الأقرب الهادي. أستعين به لأنه قادر قادر، وأتوكل عليه لأنه الكافي والمعين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، مبعوثًا لتنفيذ الأوامر، وإتمام الحجة، والإنذار مسبقًا من خلال أحداث التنبيه. يا عباد الله! أوصيكم بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، وحدد لكم أوقاتكم، وألبسكم مختلف الملابس، ورزقكم. وقد حسبك حسابا كاملا وعين أجرك. وقد أنعم عليك بواسع نعمه وعطاياه الكريمة، وأنذرك بالبراهين النافذة. لقد أحصىكم واحدًا تلو الآخر، وفي مكان الاختبار والدرس هذا، قد حدد أعماركم. ففيها فتنتك، وفي دخولها وخروجها يكون حسابك. ماء هذا العالم نجس، ومشربه مملوء طينا. ظاهره جذاب وباطنه مدمر. إنه غرور زوال، ونور منير، وظل منزلق، ودعامة متكئة. فإذا تعلق بها من يكرهها، ورضا بها غريب، ترفع قدميها وتضرب الأرض، فتصيده في شبكتها، وتجعله هدفا لسهامها، وتضع حبل الموت في عنقه، وتأخذه إلى القبر الضيق والمصير المرعب، حيث يرى مثواه (الجنة أو النار) ويحصد نتيجة أعماله.. وحال المتأخرين مثل حال المتأخرين. الموت لا يرتد عن الاختيار، ومن بقي لا يكف عن الخطيئة. ويتبع بعضهم طرق بعض، ويتقدمون الواحد تلو الآخر نحو الغاية النهائية ومكان الفناء، حتى تنتهي الأمور، وينتهي عمر العالم، ويأتي يوم القيامة.. فيخرج الله من زوايا القبور وأعشاش الطير وأوكار الوحوش ومواضع الهلاك كل ذلك. جماعة بعد جماعة، صامتين ساكنين، قيامًا واصطفافًا، يتقدمون إلى أمر الله، ويركضون إلى مرجعهم. فيكون عليهم نظر القوة، ويصل صوت المنادي إلى كل آذانهم. فيلبسون ثوب الضعف والعجز ويلبسهم الذل بالعجز والعجز. ستغيب الأعذار والاستراتيجيات، وتنقطع الآمال. ستجلس القلوب في صمت يائس. سيتم قمع الأصوات وإسكاتها. العرق سوف يضع حبل المشنقة في الفم. ويزداد الرعب، وإذا دعوا إلى القضاء والجزاء على الأعمال والعقاب والثواب، ترتعد الآذان من صوت الداعي الرعد.. لقد خلق هؤلاء العباد لإثبات سلطانه، وقد نشأوا على الهيمنة والسيطرة. وعند الموت تقبض أرواحهم ويوضعون في القبور، فيتحللون، ثم يبعثون من القبور وحدهم، فيجازون على قدر أعمالهم، ويحاسب كل واحد على حدة.. لقد أتيحت لهم فرصة النجاة بينما في الدنيا، ووضح لهم الصراط المستقيم، وأتيح لهم الوقت لطلب رضوان الله.. أزيلت عنهم ظلمات الشك، وتركوا في هذه الفترة من الحياة ومكان العمل أحرارا حتى يستعدوا لسباق الآخرة، ويبحثوا عن الهدف من خلال التفكير، ويكون لديهم الوقت الكافي للحصول على الفوائد والاستعداد لمقصدهم التالي.. وهذه أمثلة صحيحة ونصائح شافية، بشرط أن تكون لهم قلوب صافية، وآذان صاغية، وآراء قوية، وعقول واعية. اتق الله كالذي إذا سمع النصيحة ركع. وعندما أخطأ اعترف بذلك. وإذا خاف تصرف؛ وإذا خاف تقدم إلى الخيرات. فلما آمن بيوم القيامة، وعمل صالحاً؛ عندما تم الوعظ، أخذ الدرس؛ عندما حذر، كف عن الشر؛ وعندما دُعي استجاب واتجه نحوه؛ وتوجهوا إليه بالتوبة والرجوع. لقد تابع تمامًا ورأى الحقيقة عندما ظهرت. فمثل هذا ظل نشطا في طلب الحق، وتحرر من قيود الدنيا، وأعد لنفسه زادا، وطهر نفسه، وبنى الدار الآخرة.. وقد حمل زادا لرحلة الآخرة وسفرها، ولأوقات الحاجة وأماكن الفقر والعوز. يا عباد الله! واتقواه في غرض خلقكم، واتقواه حيث حذركم. واخلقوا الحق لما أعده لكم ابتغاء وعده الحق وخوفاً من فزع يوم القيامة. وفي هذه الخطبة أيضاً هذه الكلمات: خلق لكم آذاناً لتسمعوا وتحفظوا الضروريات والمهمة، وجعل لكم عيوناً لتخرج من العمى وتكون مشرقة ومضيئة.. وأجزاء مختلفة من الجسم، كل منها يحتوي على أعضاء كثيرة بتركيباتها المناسبة، بتركيبة شكلها وتناسب فترات الحياة، بأجسام تفي باحتياجاتها وقلوب تسعى إلى غذائها الروحي.. إلى غير ذلك من النعم العظيمة، والهدايا الموجبات للشكر، وحصون الأمان. وقد عين لكم الآجال التي أخفاها عنكم، وترك فرصا لأخذ العبر من أحوال الناس وأحداثهم. هؤلاء الناس الذين كانوا يتمتعون بثرواتهم ويتنقلون، كيف أخذهم الموت قبل أن تتحقق آمالهم، وباعدتهم يد الشيخوخة عن تلك الآمال. لم يستعدوا عندما تكون الأجسام سليمة، ولم يأخذوا الدروس والنصائح عندما يكون الشباب موجودا. هل ينتظر ذوو الشباب الكامل الشيخوخة التي تحني الظهر، والذين في نضارة الصحة ينتظرون الأمراض التي تصيبهم؟ وهل أصحاب الحياة يرون لحظات الفناء؟ فإذا اقترب موعد الرحيل، وقربت الهجرة، وجاء وقت القلق والضيق، والحرقان والحمى، وأنشاق اللعاب، والتقلب من جانب إلى آخر مع استغاثة الأقارب والأحباب، فهل أوقف الموت الأقارب، أم أن بكاء المشيعين نفع؟ يُترك وحيدًا مقيدًا ومقيدًا في زاوية ضيقة من القبر في المقبرة. الثعابين والعقارب جعلت جلده كالغربال. لقد دمر الدوس نضارته. لقد محت الرياح آثاره، ومحت الأحداث حتى آثاره. أصبحت الأجسام الطازجة هزيلة وذابلة. لقد تحللت العظام، وثقلت النفوس تحت وطأة الخطايا الثقيلة، وصارت تؤمن بالغيب.. أما الآن فلا سبيل لهم إلى زيادة الحسنات، ولا مجال للتوبة من السيئات. ألستم أبناء وآباء وإخوة وأقارب هؤلاء الموتى؟ أنت أيضًا ستواجه نفس الظروف تمامًا، وستسير على نفس الطريق، وستمر على نفس الطريق السريع. لكن القلوب لا تزال غير مهتمة بالهدى والسعادة، غافلة عن الهدى، وتسير في المجال الخطأ. وكأن غيره مقصود ومخاطب، وكأن جمع الدنيا هو الطريق الصحيح له. وتذكر أنه لا بد لك من المرور على الصراط وفي أماكن تتعثر وتزل فيها الأقدام، وفي كل خطوة هناك مخاطر الخوف والرعب. اتقِ الله كما يخاف العاقل العاقل، الذي غفل قلبه عن التفكير في الآخرة، واضطهد الخوف بدنه، وحوّل نومه القليل إلى يقظة على قيام الليل، وطال الظهيرة ظمأً للثواب، وكبت الزهد والورع شهواته، وتحرك لسانه بذكر الله دائمًا.. خاف قبل أن تأتي الأخطار، واجتنب الطرق المنقطعة، وسلك الصراط المستقيم، واختار الطريق المستقيم للوصول إلى الطريق المقصود، ولم تلتوي الضلالات، ولم تحجب عينه الشبهات. ينام نوماً هنيئاً وقد نال أفراح البشرى وأفراح البركات، ويمضي أيامه بسلام وأمان.. لقد مر في ممر الدنيا بخلق محمود، ووصل إلى الآخرة بالسعادة. ولما كان فيه من مخاطر تقدم نحو الخيرات وسارع في هذه الفترة من الحياة إلى الخير. وفي طلب الآخرة بكل إخلاص وحرص، لا يبقى مجال للعذر، وقد ظهر الصراط المستقيم، وتمت الحجة، وقد حذرتم من ذلك العدو الذي يتوغل في الصدور، ويبلغ الآذان وسوسة.. فهو يضل ويهلك، ويعطي الوعود الكاذبة ويعطي الآمال الكاذبة. فهو في البداية يزين أعظم الجرائم ويقدمها، ويجعل أعظم الذنوب المهلكات تبدو خفيفة وسهلة. فإذا أرشد النفس الضالة إلى طريق الضلال، وأمسك بها في فخاخه، بدأ يتكلم بالسوء عما زينه، ويتقدم إلى ما جعله خفيفا وسهلا، ويهرب من المنكرات.. ينظر إلى اليوم والغد ويتطلع إلى احتياجات المستقبل. وأي شيء أعظم من الجنة مغفرة وعطية، ومن النار عذاباً وعذاباً؟ ومن أعظم من الله انتقاما ونصرة؟ وأي شيء أعظم من القرآن حجة وحجة عليك؟ أوصيك بتقوى الله الذي يبين لك وزن الأشياء التي تخاف منها وأهميتها، ويبدأ بالتحذير مما أرضاك منه ولا تخافه.. (ومن هذه الخطبة أيضًا وصف خلق الإنسان): انظر إلى من خلقه الله في ظلمات البطن وطبقات الحجاب الداخلية: نطفة متدفقة ودم متجمد.. ثم يكون جنيناً، ثم رضيعاً، ثم طفلاً بعد الفطام، ثم شاباً. وأعطاه الله قلبًا سخيًا، ولسانًا ناطقًا، وعينًا بصيرة، ليفهم في العبر، ويتوقف عن المنكر ويتأثر بالنصيحة.. ولكن عندما خلق الاتزان والاعتدال في أعضائه، وبلغ قامته ذروته، انفجر في الكبرياء والكبر، وأخذ يهيم على نحو أعمى، يجر دلاء الفسق والشهوة، ويقضي عمره في تحقيق حالات الفرح واللذة وشهوات الهوى.. ولم ينظر إلى مصيبة، ولم يتأثر بخوف. وأخيراً مات وهو في حالة من الغفلة والسكر في تلك الاضطرابات، وقضى ما بقي من عمره في العبث.. ولم يحصل على أجر ولم يقم بواجب. وبينما كان لا يزال على طريق التمردات المتبقية، أصابته أمراض قاتلة، مما جعله مذهولاً. قضى ليله مستيقظا في شدائد الحزن والمصيبة وشدة الألم والمعاناة، على حال كان أمام الأخ الحقيقي، والأب الطيب، والأم تبكي في شدة، والأخت تضرب صدرها في الأرق، في سكرات سكرات الموت، والحيرة الشديدة، والصراخ المؤلم، وضيق النفس اللاهث، وشدة الموت التي تجعله عاجزا.. ثم لف بالكفن وهو في حالة من الفشل، وبقي مقيدا بحركة الآخرين وراحتهم دون مقاومة. ثم وضع على النعش وهو في حالة تعب من الكدح والمشقة، وأنهكته الأمراض.. حمله الشباب المؤازرون والإخوة المتعاونون على أكتافهم إلى دار المنفى، حيث انقطعت كل أواصر اللقاء. ولما عاد المرافقون وأقارب المصابون، رفعوه ووضعوه في حفرة القبر، ليواجه أهوال السؤال وضربات الامتحان من الملائكة، ثم المصيبة الكبرى: ضيافة الماء المغلي ودخول جهنم، ولهيب جهنم وشدة لهيبها.. ليس هناك وقفة للراحة، ولا مفر إلى حين من السلام والراحة، ولا قوة رادعة، ولا موت مريح الآن، ولا نوم لنسيان المعاناة، لكنه سيكون في أنواع الموت المختلفة والعذابات الجديدة في كل لحظة.. نعوذ بالله. يا عباد الله! أين الذين أطالت أعمارهم وتمتعوا بالنعمة، وقيل لهم كل شيء وفهموا، وأعطيوا الوقت فأضاعوه في الغفلة، وصحوا ونسيوا تلك النعمة؟ لقد أمهلوا طويلاً، وأعطوا الخيرات، وأنذروا بالعذاب الأليم، ووعدتهم بالوعود العظيمة. (فالآن أنت) اجتنب الذنوب التي تؤدي إلى الهلاك والخطأ الذي يغضب الله. يا من له عيون وآذان! يا من له الصحة والغنى! هل هناك مجال للهروب أو مجال للخلاص؟ أو أي ملجأ أو مسكن؟ فرصة للهروب أم أي طريق للعودة إلى العالم؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فأين تتجول، وإلى أين تتجه، أو ما هي الأشياء التي تقترب منها؟ ولكن من هذه الأرض الواسعة، ليس لكل واحد منكم إلا قطعة بطول قامته، تستلقي فيها وخدك على التراب.. ولا يزال هذا مكسبًا يا عباد الله، والحبل ليس في الرقاب، والروح ما زالت حرة - فرصة الحصول على الهدى، وراحة الأبدان، والاجتماع، وباقي العمر، وفرص استخدام الاختيار من جديد، ومجال التوبة، وحالة الطمأنينة، قبل الوقوع في الشدة والضيق، وقبل أن يغشاكم الخوف والدمار، وقبل أن يأتيكم الموت، وقبل أن يأخذكم قبض القوي المهيمن. يقول السيد الرازي: روي أنه لما ألقى سماحته هذه الخطبة ارتعدت الأجساد، وانتصب الشعر، وذرفت العيون، وارتعشت القلوب.. ويتذكر البعض هذه الخطبة باسم خطبة الغرة..