وَ اَخَذُوْا یَمِیْنًا وَّ شِمَالًا ظَعْنًا فِیْ مَسَالِكِ الْغَیِّ، وَ تَرْكًا لِّمَذَاهِبِ الرُّشْدِ. فَلَا تَسْتَعْجِلُوْا مَا هُوَ كَـآئِنٌ مُّرْصَدٌ، وَ لَا تَسْتَبْطِئُوْا مَا یَجِیْٓءُ بِهِ الْغَدُ. فَكَمْ مِّنْ مُّسْتَعْجِلٍۭ بِمَاۤ اِنْ اَدْرَكَهٗ وَدَّ اَنَّهٗ لَمْ یُدْرِكْهُ. وَ مَاۤ اَقْرَبَ الْیَوْمَ مِنْ تَبَاشِیْرِ غَدٍ!.
یَا قَوْمِ! هذَاۤ اِبَّانُ وُرُوْدِ كُلِّ مَوْعُوْدٍ، وَ دُنُوٍّ مِّنْ طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُوْنَ.
اَلَا وَ اِنَّ مَنْ اَدْرَكَهَا مِنَّا یَسْرِیْ فِیْهَا بِسِرَاجٍ مُّنِیْرٍ، وَ یَحْذُوْ فِیْهَا عَلٰی مِثَالِ الصَّالِحِیْنَ، لِیَحُلَّ فِیْهَا رِبْقًا، وَ یُعْتِقَ رِقًّا، وَ یَصْدَعَ شَعْبًا، وَ یَشْعَبَ صَدْعًا، فِیْ سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ، لَا یُبْصِرُ الْقَآئِفُ اَثَرَهٗ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهٗ. ثُمَّ لَیُشْحَذَنَّ فِیْهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَیْنِ النَّصْلَ تُجْلٰی بِالتَّنْزِیْلِ اَبْصَارُهُمْ، وَ یُرْمٰی بِالتَّفْسِیْرِ فِیْ مَسَامِعِهِمْ، وَ یُغْبَقُوْنَ كَاْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوْحِ!.
وَ طَالَ الْاَمَدُ بِهِمْ لِیَسْتَكْمِلُوْا الْخِزْیَ، وَ یَسْتَوْجِبُوا الْغِیَرَ، حَتّٰۤی اِذَا اخْلَوْلَقَ الْاَجَلُ، وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ اِلَی الْفِتَنِ، وَ اَشَالُوْا عَنْ لَّقَاحِ حَرْبِهِمْ، لَمْ یَمُنُّوْا عَلَی اللهِ بِالصَّبْرِ، وَ لَمْ یَسْتَعْظِمُوْا بَذْلَ اَنْفُسِهِمْ فِی الْحَقِّ، حَتّٰۤی اِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَآءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَآءِ، حَمَلُوْا بَصَآئِرَهُمْ عَلٰۤی اَسْیَافِهِمْ، وَ دَانُوْا لِرَبِّهِمْ بِاَمْرِ وَاعِظِهِمْ، حَتّٰۤی اِذَا قَبَضَ اللهُ رَسُوْلَهٗ ﷺ رَجَعَ قَوْمٌ عَلَی الْاَعْقَابَ، وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَ اتَّكَلُوْا عَلَی الْوَلَاۗئِجِ، وَ وَصَلُوْا غَیْرَ الرَّحِمِ، وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِیْ اُمِرُوْا بِمَوَدَّتِهٖ، وَ نَقَلُوا الْبِنَآءَ عَنْ رَّصِّ اَسَاسِهٖ، فَبَنَوْهُ فِیْ غَیْرِ مَوْضِعِهٖ. مَعَادِنُ كُلِّ خَطِیْٓئَةٍ وَّ اَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِیْ غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوْا فِی الْحَیْرَةِ، وَ ذَهَلُوْا فِی السَّكْرَةِ، عَلٰی سُنَّةٍ مِّنْ اٰلِ فِرْعَوْنَ: مِنْ مُّنْقَطِعٍ اِلَی الدُّنْیَا رَاكِنٍ، اَوْ مُفَارِقٍ لِّلدِّیْنِ مُبَایِنٍ.
خطبة (148): غياب حضرة الحجة (فِی الْمَلَاحِمِ)
لقد سلكوا سبل الضلال وتركوا سبل الهدى، وسلكوا يمين وشمال السبل، فلا تستعجلوا إلى ما ينبغي فعله والقصر ينتظر والذي يأتي به "الغد". لا تظهر الاستياء من خلال الشعور ببعده. هناك الكثير من الأشخاص الذين يتعجلون للحصول على شيء ما، وعندما يعتزون به، يبدأون في التمني لو أنهم لم يحصلوا عليه. يا شعبي، هذا هو الوقت الذي ستأتي فيه الأمور الموعودة، وتصبح تلك التجارب بارزة وقريبة، والتي لم تعرفوها بعد. ينظر! ومن وجد منا (عصر هذه الفتن) نشأ وفيه مصباح (الهدى) ويخطو على طريق الأبرار في فك العقد وتحرير الرقاب، وكما يحتاج إلى فك المقيد ووصل المكسور يخفى عن الناس. ولن يتمكن الباحثون من رؤية آثار أقدامه ولو ثبتوا أبصارهم، فحينئذ سيتم شحذ الأمة (إلى الحقيقة) كما يحد الحداد سياج السيف. فيشتعل القرآن في أعينهم، وتسمع مطالبه في آذانهم، ويسقون صباحا ومساء، يفيض من بحور الحكمة. وحتى عندما انتهت تلك الفترة ونشأت فئة مدعومة بالفتن ووقفت على بذور الحرب، فإن المؤمنين في ذلك الوقت لم يتفضلوا على الله بصبرهم ولم يعتبروا الموت في سبيل الحق فوزا عظيما. وحتى عندما انتهت الوصية وقت الضيق، حملوا سيوفهم على بصيرة وأطاعوا وصايا ربهم بأمر مرشدهم. عن طريق ك) أمر بالموت. فتركهم ونزع (الخلافة) من قواعدها القوية وأقامها حيث لم تكن، وهي مخزن الذنوب وباب الضالين. تجولوا في عجب وقلق وسكروا بالضلال مثل قوم فرعون. فمنهم من انقطع عن الآخرة واتجه نحو الدنيا، ومنهم من انصرف عن الحق وترك الدين.
