خطبة خطبة : 208

خطبة (208): أسباب وأسباب الاختلاف في الأحاديث وأنواع روايات الحديث (وَ قَدْ سَئَلَهٗ سَآئِلٌ عَنْ اَحَادِیْثِ الْبِدَعِ وَ عَمَّا فِیْۤ اَیْدِی النَّاسِ مِنِ اخْتِلَافِ الْخَبَرِ، فَقالَؑ:)

اِنَّ فِیْۤ اَیْدِی النَّاسِ حَقًّا وَّ بَاطِلًا، وَ صِدْقًا وَّ كَذِبًا، وَ نَاسِخًا وَّ مَنْسُوْخًا، وَ عَامًّا وَّ خَاصًّا، وَ مُحْكَمًا وَّ مُتَشَابِهًا، وَ حِفْظًا وَّ وَهْمًا، وَ لَقَدْ كُذِبَ عَلٰی رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ عَلٰی عَهْدِهٖ، حَتّٰی قَامَ خَطِیْبًا، فَقَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّدًا فَلْیَتَبَوَّاْ مَقْعَدَهٗ مِنَ النَّارِ».
وَ اِنَّمَاۤ اَتَاكَ بِالْحَدِیْثِ اَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَّیْسَ لَهُمْ خَامِسٌ:
رَجُلٌ مُّنَافِقٌ مُّظْهِرٌ لِلْاِیْمَانِ، مُتَصَنِّـعٌۢ بِالْاِسْلَامِ، لَا یَتَاَثَّمُ وَ لَا یَتَحَرَّجُ، یَكْذِبُ عَلٰی رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ مُتَعَمِّدًا، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ اَنَّهٗ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَّمْ یَقْبَلُوْا مِنْهُ، وَ لَمْ یُصَدِّقُوْا قَوْلَهٗ، وَ لٰكِنَّهُمْ قَالُوْا: صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ رَاٰهُ، وَ سَمِـعَ مِنْهُ، وَ لَقِفَ عَنْهُ، فَیَاْخُذُوْنَ بِقَوْلِهٖ، وَ قَدْ اَخْبَرَكَ اللهُ عَنِ الْمُنَافِقِیْنَ بِمَاۤ اَخْبَرَكَ، وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهٖ لَكَ، ثُمَّ بَقُوْا بَعْدَهٗ عَلَيْهِ وَ اٰلِهِ السَّلَامُ، فَتَقرَّبُوْۤا اِلٰۤی اَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَ الدُّعَاةِ اِلَی النَّارِ بِالزُّوْرِ وَ الْبُهْتَانِ، فَوَلَّوْهُمُ الْاَعْمَالَ، وَ جَعَلُوْهُمْ حُكَّامًا عَلٰی رِقَابِ النَّاسِ، فَاَكَلُوْا بِهِمُ الدُّنْیَا، وَ اِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوْكِ وَ الدُّنْیَا، اِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، فَهٰذَاۤ اَحَدُ الْاَرْبَعَةِ.
وَ رَجُلٌ سَمِـعَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ شَیْئًا لَّمْ یَحْفَظْهُ عَلٰی وَجْهِهٖ، فَوَهِمَ فِیْهِ، وَ لَمْ یَتَعَمَّدْ كَذِبًا، فَهُوَ فِیْ یَدَیْهِ، یَرْوِیْهِ وَ یَعْمَلُ بِهٖ، وَ یَقُوْلُ: اَنَا سَمِعْتُهٗ مِنْ رَسُولِ اللهِ --ﷺ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ اَنَّهٗ وَهِمَ فِیْهِ لَمْ یَقْبَلُوْهُ مِنْهُ، وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ اَنَّهٗ كَذٰلِكَ لَرَفَضَهٗ!.
وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ، سَمِـعَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ شَیْئًا یَّاْمُرُ بِهٖ، ثُمَّ نَهٰی عَنْهُ وَ هُوَ لَا یَعْلَمُ، اَوْ سَمِعَهٗ یَنْهٰی عَنْ شَیْءٍ، ثُمَّ اَمَرَ بِهٖ وَ هُوَ لَایَعْلَمُ، فَحَفِظَ الْمَنْسُوْخَ، وَ لَمْ یَحْفَظِ النَّاسِخَ، فَلَوْ عَلِمَ اَنَّهٗ مَنْسُوْخٌ لَّرَفَضَهٗ، وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ اِذْ سَمِعُوْهُ مِنْهُ اَنَّهٗ مَنْسُوْخٌ لَّرَفَضُوْهُ.
فَهٰذِهِ وَجُوْهُ مَا عَلَیْهِ النَّاسُ فِی اخْتِلَافِهِمْ، وَ عِلَلِهِمْ فِیْ رِوَایَاتِهِمْ.

سألتك رجل عن الأحاديث الموضوعة والمتضاربة التي تكون في أيدي الناس، فقلت:. الحق والباطل، والحق والباطل، والنسخ والنسخ، العام والخاص، الواضح والمبهم، الحق والباطل، كلها في أيدي الناس.. وفي عهد النبي نفسه تم الافتراء عليه حتى اضطر إلى الوقوف ويقول في الخطبة من قذفني متعمدا فلا يتبوأ مقعده من النار. لا، الإنسان من له ظاهر وباطن، يظهر الإيمان وينصب مثل المسلمين.. ولا يخاف من الذنب ولا يتردد في الوقوع في أي فخ. يكذب متعمداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو علم الناس أنه منافق كذاب، لم يقبلوا منه شيئا، ولم يصدقوا قوله.. ومع أن الله قد أخبرك عن المنافقين، وعرفك أيضًا على ألوانهم، فإنهم ظلوا أشرارًا حتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأثروا بالكذب والافتراء في أئمة الضلال والدعاة إلى النار.. فوضعوهم في مناصب (حسنة) وجعلوهم حكاماً وجعلوهم يحكمون رقاب الناس وأنزلوا الدنيا إلى رقابهم عبر وهران.. ولكن باستثناء أولئك (عدد محدود من الناس) الذين يحفظهم الله في حفظه. حدث هذا لأحد الأربعة، والآخر هو الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يتذكر ما قال، وكان الأمر عليه يسيرا.. ولا يكذب متعمدا، ولا يحدث إلا ما في متناوله، ويتبعه بنفسه، ويقول أيضا: هذا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولو علم المسلمون بنسيان ذكراه لما صدقوه، ولو علم هو بنفسه لتركه.. والثالث: من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأمر ما.. ثم أوقفه النبي. لكنه لا يعرفه، أو سمع النبي ينهى عن شيء فأجازه، ولم يبلغه هذا الشيء.. ولو كان هو نفسه يعلم أنه منسوخ لتركه، ولو علم المسلمون بنسخه لأغفلوه.. والرابع من لم يكذب على الله ورسوله. يخاف الله ويبغض الباطل لعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يوجد خطأ في حفظه، ولكن يتذكره كما سمعه، ويرويه على مثل ذلك، ولم يزد عليه شيئا.. ولم ينقص منه شيئا. كان يحفظ الحديث المنسوخ، ويتبعه، ويحفظ الحديث المنسوخ في ذهنه. ويتجنبه، فهو يعرف الحديث المحدود وأيضا العام الشامل، ويحفظ كل حديث في مكانه ومكانه، فيتعرف على الأحاديث الواضحة والمتشابهة.. وأحيانا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم ذو وجهين، فبعض الكلام خاص بزمان أو أشخاص، وبعضه مما يشمل كل زمان وجميع الناس، وكان يسمعه من لا يفهم مراد الله به.. وما هو غرض النبي صلى الله عليه وسلم؟. فكان هؤلاء السامعون يستمعون إليه، كما أوضح بعضهم معناه. لكنهم كانوا يجهلون معناه الحقيقي وهدفه وسببه، وكان من أصحاب النبي كل من لديه الشجاعة لسؤاله، بل كانوا يريدون أن يأتي أعرابي أو أجنبي ويستمع إليهم إذا سألوا شيئًا، لكن لم يمر أمامي شيء.. لكني كنت أسأل عنه ثم أتذكره. وهذا هو سبب اختلاف أحاديث الناس وتقاليدهم..