اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِیْ لَا یَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُوْدُ، وَ لَا یُكْدِیْهِ الْاِعْطَآءُ وَ الْجُوْدُ، اِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُّنْتَقِصٌ سِوَاهُ، وَ كُلُّ مَانِعٍ مَّذْمُوْمٌ مَا خَلَاهُ، وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَآئِدِ النِّعَمِ، وَ عَوآئِدِ الْمَزِیْدِ وَ الْقِسَمِ، عِیَالُهُ الْخَلَآئِقُ، ضَمِنَ اَرْزَاقَهُمْ، وَ قَدَّرَ اَقْوَاتَهُمْ، وَ نَهَجَ سَبِیْلَ الرَّاغِـبِیْنَ اِلَیْهِ، وَ الطَّالِبِیْنَ مَا لَدَیْهِ، وَ لَیْسَ بِمَا سُئِلَ بِاَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ یُسْئَلُ.
اَلْاَوَّلُ الَّذِیْ لَمْ یَكُنْ لَّهٗ قَبْلٌ فَیَكُوْنَ شَیْءٌ قَبْلَهٗ، وَ الْاٰخِرُ الَّذِیْ لَیْسَ لَهٗ بَعْدٌ فَیَكُوْنَ شَیْءٌۢ بَعْدَهٗ، وَ الرَّادِعُ اَنَاسِیَّ الْاَبْصَارِعَنْ اَنْ تَنَالَهٗ اَوْ تُدْرِكَهٗ، مَا اخْتَلَفَ عَلَیْهِ دَهْرٌ فَیَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، وَ لَا كَانَ فِیْ مَكَانٍ فَیَجُوْزَ عَلَیْهِ الْاِنْتِقَالُ.
وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ اَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزِّ اللُّجَیْنِ وَ الْعِقْیَانِ، وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِیْدِ الْمَرْجَانِ، مَاۤ اَثَّرَ ذٰلِكَ فِیْ جُوْدِهٖ، وَ لَاۤ اَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهٗ، وَ لَكَانَ عِنْدَهٗ مِنْ ذَخَآئِرِ الْاِنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهٗ مَطَالِبُ الْاَنَامِ، لِاَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِیْ لَا یَغِیْضُهٗ سُؤَالُ السَّآئِلِیْنَ، وَ لَا یُبْخِلُهٗ اِلْحَاحُ الْمُلِحِّیْنَ.
فَانْظُرْ اَیُّهَا السَّآئِلُ: فَمَا دَلَّكَ الْقُرْاٰنُ عَلَیْهِ مِنْ صِفَتِهٖ فَائْتَمَّ بِهٖ وَ اسْتَضِیْٓءْ بِنُوْرِ هِدَایَتِهٖ، وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّیْطٰنُ عِلْمَهٗ مِمَّا لَیْسَ فِی الْكِتَابِ عَلَیْكَ فَرْضُهٗ، وَ لَا فِیْ سُنَّةِ النَّبِیِّ ﷺ وَ اَئِمَّةِ الْهُدٰی اَثَرُهٗ، فَكِلْ عِلْمَهٗ اِلَی اللهِ سُبْحَانَهٗ، فَاِنَّ ذٰلِكَ مُنْتَهٰی حَقِّ اللهِ عَلَیْكَ.
وَ اعْلَمْ اَنَّ الرَّاسِخِیْنَ فِی الْعِلْمِ هُمُ الَّذِیْنَ اَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوْبَةِ دُوْنَ الْغُیُوْبِ، الْاِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوْا تَفْسِیْرَهٗ مِنَ الْغیْبِ الْمَحْجُوْبِ، فَمَدَحَ اللهُ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ یُحِیْطُوْا بِهٖ عِلْمًا، وَ سَمّٰی تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِیْمَا لَمْ یُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهٖ رُسُوْخًا، فاقْتَصِرْ عَلٰی ذٰلِكَ، وَ لَاتُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبْحَانَهٗ عَلٰی قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُوْنَ مِنَ الْهَالِكِیْنَ.
هُوَ الْقَادِرُ الَّذِیْۤ اِذَا ارْتَمَتِ الْاَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهٖ، وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّاُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ اَنْ یَّقَعَ عَلَیْهِ فِیْ عَمِیْقَاتِ غُیُوْبِ مَلَكُوْتِهٖ، وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوْبُ اِلَیْهِ لِتَجْرِیَ فِیْ كَیْفِیَّةِ صِفَاتِهٖ، وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُوْلِ فِیْ حَیْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهٖ، رَدَعَهَا وَ هِیَ تَجُوْبُ مَهَاوِیَ سُدَفِ الْغُیُوْبِ، مُتَخَلِّصَةً اِلَیْهِ ـ سُبْحَانَهٗ ـ فَرَجَعَتْ اِذْ جُبِهَتْ، مُعتَرِفَةًۢ بِاَنَّهٗ لَا یُنَالُ بِجَوْرِ الْاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهٖ، وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ اُولِی الرَّوِیَّاتِ خَاطِرَةٌ مِّنْ تَقْدِیْرِ جَلَالِ عِزَّتِهٖ.
اَلَّذِی ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلٰی غَیْرِ مِثَالٍ امّْتَثَلَهٗ، وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذٰی عَلَیْهِ، مِنْ خَالِقٍ مَّعْبُوْدٍ كَانَ قَبْلَهٗ، وَ اَرَانَا مِنْ مَّلَكُوْتِ قُدْرَتِهٖ، وَ عَجَآئِبِ مَا نَطَقَتْ بِهٖ اٰثَارُ حِكْمَتِهٖ، وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ اِلٰۤی اَنْ یُّقِیْمَهَا بِمَسَاكِ قُوَّتِهٖ، مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِیَامِ الْحُجَّةِ لَهٗ عَلٰی مَعْرِفَتِهٖ، وَ ظَهَرَتْ فِی الْبَدَآئِعِ الَّتِیْ اَحْدَثَهَاۤ اٰثَارُ صَنْعَتِهٖ، وَ اَعْلَامُ حِكْمَتِهٖ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَّهٗ وَ دَلِیْلًا عَلَیْهِ، وَ اِنْ كَانَ خَلْقًا صَامِتًا، فَحُجَّتُهٗ بِالتَّدْبِیْرِ نَاطِقَةٌ، وَ دَلَالَتُهٗ عَلَی الْمُبْدِعِ قَآئِمَةٌ.
وَ اَشْهَدُ اَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَایُنِ اَعْضَآءِ خَلْقِكَ، وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِیْرِ حِكْمَتِكَ، لَمْ یَعْقِدْ غَیْبَ ضَمِیْرِهٖ عَلٰی مَعْرِفَتِكَ، وَ لَمْ یُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْیَقِیْنُ بِاَنَّهٗ لَا نِدَّ لَكَ، وَ كَاَنَّهٗ لَمْ یَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِیْنَ مِنَ الْمَتْبُوْعِیْنَ اِذْ یَقُوْلُوْنَ: ﴿تَاللّٰهِ اِنْ كُنَّا لَفِیْ ضَلٰلٍ مُّبِیْنٍۙ اِذْ نُسَوِّیْكُمْ بِرَبِّ الْعٰلَمِیْنَ﴾.
كَذَبَ الْعَادِلُوْنَ بِكَ، اِذْ شَبَّهُوْكَ بِاَصْنَامِهِمْ وَ نَحَلُوْكَ حِلْیَةَ الْمَخْلُوْقِیْنَ بِاَوْهَامِهِمْ، وَ جَزَّاُوْكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ، وَ قَدَّرُوْكَ عَلَی الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوٰی، بِقَرَآئِحِ عُقُوْلِهِمْ.
وَ اَشْهَدُ اَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَیْءٍ مِّنْ خَلْقِكِ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌۢ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهٖ مُحْكَمَاتُ اٰیَاتِكَ، وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَیِّنَاتِكَ، وَ اَنَّكَ اَنْتَ اللهُ الَّذِیْ لَمْ تَتَنَاهَ فِیْ الْعُقُوْلِ، فَتَكُوْنَ فِیْ مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَیَّفًا، وَ لَا فِیْ رَوِیَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُوْنَ مَحْدُوْدًا مُّصَرَّفًا.
قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَاَحْكَمَ تَقْدِیْرَهٗ، وَ دَبَّرَهٗ فَاَلْطَفَ تَدْبِیْرَهٗ، وَ وَجَّهَهٗ لِوِجْهَتِهٖ فَلَمْ یَتَعَدَّ حُدُوْدَ مَنْزِلَتِهٖ، وَ لَمْ یَقْصُرْ دُوْنَ الْاِنْتِهَآءِ اِلٰی غَایَتِهٖ، وَ لَمْ یَسْتَصْعِبْ اِذْ اُمِرَ بِالْمُضِیِّ عَلٰۤی اِرَادَتِهٖ، وَ كَیْفَ وَ اِنَّمَا صَدَرَتِ الْاُمُوْرُ عَنْ مَّشِیْٓـئَتِهٖ؟
اَلْمُنْشِئُ اَصْنَافَ الْاَشْیَآءِ بِلَا رَوِیَّةِ فِكْرٍ اٰلَ اِلَیْهَا، وَ لَا قَرِیْحَةِ غَرِیْزَةٍ اَضْمَرَ عَلَیْهَا، وَ لَا تَجْرِبَةٍ اَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُوْرِ، وَ لَا شَرِیْكٍ اَعَانَهٗ عَلَی ابْتِدَاعِ عَجَآئِبِ الْاُمُوْرِ، فَتَمَّ خَلْقُهٗ، وَ اَذْعَنَ لِطَاعَتِهٖ، وَ اَجَابَ اِلٰی دَعْوَتِهٖ، وَ لَمْ یَعْتَرِضْ دُوْنَهٗ رَیْثُ الْمُبْطِئِ، وَ لَاۤ اَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ، فَاَقَامَ مِنَ الْاَشْیَآءِ اَوَدَهَا، وَ نَهَجَ حُدُوْدَهَا، وَ لَآءَمَ بِقُدْرَتِهٖ بَیْنَ مُتَضَادِّهَا، وَ وَصَلَ اَسْبَابَ قَرَآئِنِهَا، وَ فَرَّقَهَا اَجْنَاسًا مُّخْتَلِفَاتٍ فِی الْحُدُوْدِ وَ الْاَقْدَارِ، وَ الْغرَآئِزِ وَ الْهَیْئَاتِ، بَدَایَا خَلَآئِقَ اَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَ فَطَرَهَا عَلٰی مَاۤ اَرَادَ وَابْتَدَعَهَا!.
[مِنْهَا: فِیْ صِفَةِ السَّمَآءِ]
وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِیْقٍ رَّهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَ لَاحَمَ صُدُوْعَ انْفِرَاجِهَا، وَ وَشَّجَ بَیْنَهَا وَ بَیْنَ اَزْوَاجِهَا، وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِیْنَ بِاَمْرِهٖ، وَ الْصَّاعِدِیْنَ بِاَعْمَالِ خَلْقِهٖ، حُزُوْنَةَ مِعْرَاجِهَا، وَ نَادَاهَا بَعْدَ اِذْ هِیَ دُخَانٌ، فَالْتَحَمَتْ عُرٰۤی اَشْرَاجِهَا، وَ فَتَقَ بَعْدَ الْاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ اَبْوَابِهَا، وَ اَقَامَ رَصَدًا مِّنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلٰی نِقَابِهَا، وَ اَمْسَكَهَا مِنْ اَنْ تَمُوْرَ فِیْ خَرْقِ الْهَوَآءِ بِاَیْدِهٖ، وَ اَمَرَهَا اَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِّاَمْرِهٖ، وَ جَعَلَ شَمْسَهَا اٰیَةً مُّبْصِرَةً لِّنَهَارِهَا، وَ قَمَرَهَا اٰیَةً مَّمْحُوَّةً مِّنْ لَّیْلِهَا، وَ اَجْرَاهُمَا فِیْ مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا، وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِیْ مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا، لِیُمَیِّزَ بَیْنَ اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا، وَ لِیُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِیْنَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِیْرِهِمَا.
ثُمَّ عَلَّقَ فِیْ جَوِّهَا فَلَكَهَا، وَ نَاطَ بِهَا زِیْنَتَهَا، مِنْ خَفِیَّاتِ دَرَارِیِّهَا وَ مَصَابِیْحِ كَوَاكِبِهَا، وَ رَمٰی مُسْتَرِقِی السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا، وَ اَجْرَاهَا عَلٰۤی اِذْلَالِ تَسْخِیْرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا، وَ مَسِیْرِ سَآئِرِهَا، وَ هُبُوْطِهَا وَ صُعُوْدِهَا، وَ نُحُوْسِهَا وَ سُعُوْدِهَا.
ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهٗ لِاِسْكَانِ سَمٰوٰتِهٖ، وَ عِمَارَةِ الصَّفِیْحِ الْاَعْلٰی مِنْ مَّلَكُوْتِهٖ، خَلْقًۢا بَدِیْعًا مِّنْ مَّلٰٓئِكَتِهٖ، وَ مَلَاَ بهِمْ فُرُوْجَ فِجَاجِهَا، وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوْقَ اَجْوَآئِهَا، وَ بَیْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوْجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِیْنَ مِنْهُمْ فِیْ حَظَآئِرِ الْقُدْسِ، وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ، وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ، وَ وَرَآءَ ذٰلِكَ الرَّجِیْجِ الَّذِیْ تَسْتَكُّ مِنْهُ الْاَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُوْرٍ تَرْدَعُ الْاَبْصَارَ عَنْۢ بُلُوْغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلٰی حُدُوْدِهَا.
اَنْشَاَهُمْ عَلٰی صُوَرٍ مُّخْتَلِفَاتٍ، وَ اَقْدَارٍ مُّتَفَاوِتَاتٍ، ﴿اُولِیْۤ اَجْنِحَةٍ ﴾ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهٖ، لَا یَنْتَحِلُوْنَ مَا ظَهَرَ فِی الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهٖ، وَ لَا یَدَّعُوْنَ اَنَّهُمْ یَخْلُقُوْنَ شَیْئًا مَّعَهٗ مِمَّا انْفَرَدَ بِهٖ، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُوْنَۙ لَا یَسْبِقُوْنَهٗ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِاَمْرِهٖ یَعْمَلُوْنَ﴾.
جَعَلَهُمْ فِیْمَا هُنَالِكَ اَهْلَ الْاَمَانَةِ عَلٰی وَحْیِهِ، وَ حَمَّلَهُمْ اِلَی الْمُرْسَلِیْنَ وَ دَآئِعَ اَمْرِهٖ وَ نَهْیِهٖ، وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَّیْبِ الشُّبُهَاتِ، فَمَا مِنْهُمْ زَآئِغٌ عَنْ سَبِیْلِ مَرْضَاتِهٖ، وَ اَمَدَّهُمْ بِفَوَآئِدِ الْمَعُوْنَةِ، وَ اَشْعَرَ قُلُوْبَهُمْ تَوَاضُعَ اِخْبَاتِ السَّكِیْنَةِ، وَ فَتَحَ لَهُمْ اَبْوَابًا ذُلُلًا اِلٰی تَمَاجِیْدِهٖ، وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَارًا وَّاضِحَةً عَلٰۤی اَعْلَامِ تَوْحِیْدِهٖ،
لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُوْصِرَاتُ الْاٰثَامِ، وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّیَالِیْ وَ الْاَیَّامِ، وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوْكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِیْمَةَ اِیْمَانِهِمْ، وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُوْنُ عَلٰی مَعَاقِدِ یَقِیْنِهِمْ، وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْاِحَنِ فِیْمَا بَیْنَهُمْ، وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَیْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَّعْرِفَتِهٖ بِضَمَآئِرِهِمْ، وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهٖ وَ هَیْبَةِ جَلَالَتِهٖ فِیْۤ اَثْنَآءِ صُدُوْرِهِمْ، وَ لَمْ تَطْمَعْ فِیْهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَیْنِهَا عَلٰی فِكْرِهِمْ.
مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِیْ خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ، وَ فِیْ عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ، وَ فِیْ قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْاَیْهَمِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ اَقْدَامُهُمْ تُخُوْمَ الْاَرْضِ السُّفْلٰی، فَهِیَ كَرَایَاتٍ بِیْضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِیْ مَخَارِقِ الْهَوَآءِ، وَ تَحْتَهَا رِیْحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلٰی حَیْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُوْدِ الْمُتَنَاهِیَةِ.
قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ اَشْغَالُ عِبَادَتِهٖ، وَ وَصَلَتْ حَقَآئِقُ الْاِیْمَانِ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَعْرِفَتِهٖ، وَ قَطَعَهُمُ الْاِیْقَانُ بِهٖۤ اِلَی الْوَلَهِ اِلَیْهِ، وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهٗ اِلٰی مَا عِنْدَ غَیْرِهٖ.
قَدْ ذَاقُوْا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهٖ، وَ شَرِبُوْا بِالْكَاْسِ الرَّوِیَّةِ مِنْ مَّحَبَّتِهٖ، وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَیْدَآءِ قُلُوْبِهِمْ وَ شِیْجَةُ خِیْفَتِهٖ، فَحَنَوْا بِطُوْلِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُوْرِهِمْ، وَ لَمْ یُنْفِدْ طُوْلُ الرَّغْبَةِ اِلَیْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَ لَاۤ اَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِیْمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوْعِهِمْ.
وَ لَمْ یَتَوَلَّهُمُ الْاِعْجَابُ فَیَسْتَكْثِرُوْا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْاِجْلَالِ نَصِیْبًا فِیْ تَعْظِیْمِ حَسَنَاتِهمْ، وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِیْهِمْ عَلٰی طُوْلِ دُؤٗبِهِمْ، وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَیُخَالِفُوْا عَنْ رَّجَآءِ رَبِّهِمْ، وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُوْلِ الْمُنَاجَاةِ اَسَلَاتُ اَلْسِنَتِهِمْ، وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْاَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ اِلَیْهِ اَصْوَاتُهُمْ، وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِیْ مَقَاوِمِ الطّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ، وَ لَمْ یَثْنُوْۤا اِلٰی رَاحَةِ التَّقْصِیْرِ فِیْۤ اَمْرِهٖ رِقَابَهُمْ، وَ لَا تَعْدُوْ عَلٰی عَزِیْمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ، وَ لَا تَنْتَضِلُ فِیْ هِمَمِهِمْ خَدَآئِعُ الشَّهَوَاتِ.
قَدِ اتَّخَذُوْا ذَا الْعَرْشِ ذَخِیْرَةً لِّیَوْمِ فَاقَتِهِمْ، وَ یَمَّمُوْهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ اِلَی الْمَخْلُوْقِیْنَ بِرَغْبَتِهِمْ، لَا یَقْطَعُوْنَ اَمَدَ غَایَةِ عِبَادَتِهٖ، وَ لَا یَرْجِـعُ بِهِمُ الْاِسْتِهْتَارُ بِلُزُوْمِ طَاعَتِهٖ، اِلَّاۤ اِلٰی مَوَادَّ مِنْ قُلُوْبِهِمْ غَیْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِّنْ رَّجَآئِهٖ وَ مَخَافَتِهٖ، لَمْ تَنْقَطِعْ اَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ، فَیَنُوْا فِیْ جِدِّهِمْ، وَ لَمْ تَاْسِرْهُمُ الْاَطْمَاعُ فَیُؤْثِرُوْا وَشِیْكَ السَّعْیِ عَلَی اجْتِهَادِهِمْ. وَ لَمْ یَسْتَعْظِمُوْا مَا مَضٰی مِنْ اَعْمَالِهِمْ، وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوْا ذٰلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَآءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ، وَ لَمْ یَخْتَلِفُوْا فِیْ رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّیْطٰنِ عَلَیْهِمْ، وَ لَمْ یُفَرِّقْهُمْ سُوْٓءُ التَّقَاطُعِ، وَ لَاتَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ، وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّیْبِ، وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ اَخْیَافُ الْهِمَمِ.
فَهُمْ اُسَرَآءُ اِیْمَانٍ لَّمْ یَفُكَّهُمْ مِنْ رِّبْقَتِهٖ زَیَغٌ وَّ لَا عُدُوْلٌ وَّ لَا وَنًی وَّ لَا فُتُوْرٌ، وَ لَیْسَ فِیْۤ اَطْبَاقِ السَّمَآءِ مَوْضِعُ اِهَابٍ اِلَّا وَ عَلَیْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، اَوْ سَاعٍ حَافِدٌ، یَزْدَادُوْنَ عَلٰی طُوْلِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْمًا، وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِیْ قُلُوْبِهِمْ عِظَمًا.
كَبَسَ الْاَرْضَ عَلٰی مَوْرِ اَمْوَاجٍ مُّسْتَفْحِلَةٍ، وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ، تَلْتَطِمُ اَوَاذِیُّ اَمْوَاجِهَا، وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ اَثْبَاجِهَا، وَ تَرْغُوْ زَبَدًا كَالْفُحُوْلِ عِنْدَ هِیَاجِهَا، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَآءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَ سَكَنَ هَیْجُ ارْتِمَآئِهٖ اِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِیًا اِذْ تَمعَّكَتْ عَلَیْهِ بِكَوَاهِلِهَا، فَاَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ اَمْوَاجِهٖ، سَاجِیًا مَّقْهُوْرًا، وَ فِیْ حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَادًا اَسِیْرًا، وَ سَكَنَتِ الْاَرْضُ مَدْحُوَّةً فِیْ لُجَّةِ تَیَّارِهٖ، وَ رَدَّتْ مِنْ نَّخْوَةِ بَاْوِهٖ وَ اعْتِلَآئِهٖ، وَ شُمُوْخِ اَنْفِهٖ وَ سُمُوِّ غُلَوَآئِهٖ، وَ كَعَمَتْهُ عَلٰی كِظَّةِ جَرْیَتِهٖ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهٖ، وَ لَبَدَ بَعْدَ زَیَفَانِ وَثَبَاتِهٖ.
فَلَمَّا سَكَنَ هَیْجُ الْمَآءِ مِنْ تَحْتِ اَكْنَافِهَا، وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلٰۤی اَكْتَافِهَا، فَجَّرَ یَنَابِیْعَ الْعُیُوْنِ مِنْ عَرَانِیْنِ اُنُوْفِهَا، وَ فَرَّقَهَا فِیْ سُهُوْبِ بِیْدِهَا وَ اَخَادِیْدِهَا، وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِیَاتِ مِنْ جَلَامِیْدِهَا، وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِیْبِ الشُّمِّ مِنْ صَیَاخِیْدِهَا، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَیَدَانِ لِرُسُوْبِ الْجِبَالِ فِیْ قِطَعِ اَدِیْمِهَا، وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِیْ جَوْبَاتِ خَیَاشِیْمِهَا، وَ رُكُوْبِهَاۤ اَعْنَاقَ سُهُوْلِ الْاَرَضِیْنَ وَ جَرَاثِیْمِهَا،
وَ فَسَحَ بَیْنَ الْجَوِّ وَ بَیْنَهَا، وَ اَعَدَّ الْهَوَآءَ مُتَنَسَّمًا لِّسَاكِنِهَا، وَ اَخْرَجَ اِلَیْهَاۤ اَهْلَهَا عَلٰی تَمَامِ مَرَافِقِهَا.
ثُمَّ لَمْ یَدَعْ جُرُزَ الْاَرْضِ الَّتِیْ تَقْصُرُ مِیَاهُ الْعُیُوْنِ عَنْ رَّوَابِیْهَا، وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْاَنْهَارِ ذَرِیْعَةً اِلٰی بُلُوْغِهَا، حَتّٰۤی اَنْشَاَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْیِیْ مَوَاتَهَا، وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا. اَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهٖ، وَ تَبَایُنِ قَزَعِهٖ. حَتّٰی اِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِیْهِ، وَ الْتَمَعَ بَرْقُهٗ فِیْ كُفَفِهٖ، وَ لَمْ یَنَمْ وَمِيْضُهٗ فِیْ كَنَهْوَرِ رَبَابِهٖ، وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهٖ، اَرْسَلَهٗ سَحًّا مُّتَدَارِكًا، قَدْ اَسَفَّ هَیْدَبُهٗ، تَمْرِیْهِ الْجَنُوْبُ دِرَرَ اَهَاضِیْبِهٖ، وَ دَفْعَ شَاٰبِیْبِهٖ.
فَلَمَّاۤ اَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانِیْهَا، وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهٖ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُوْلِ عَلَیْهَا، اَخْرَجَ بِهٖ مِنْ هَوَامِدِ الْاَرْضِ النَّبَاتَ، وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْاَعْشَابَ، فَهِیَ تَبْهَجُ بِزِیْنَةِ رِیَاضِهَا، وَ تَزْدَهِیْ بِمَاۤ اُلْبِسَتْهُ مِنْ رَّیْطِ اَزَاهِیْرِهَا، وَ حِلْیَةِ مَا سُمِطَتْ بِهٖ مِنْ نَّاضِرِ اَنْوَارِهَا، وَ جَعَلَ ذٰلِكَ بَلَاغًا لِّلْاَنَامِ، وَ رِزْقًا لِّلْاَنْعَامِ، وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِیْۤ اٰفَاقِهَا، وَ اَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِیْنَ عَلٰی جَوَادِّ طُرُقِهَا.
فَلَمَّا مَهَدَ اَرْضَهٗ، وَ اَنْفَذَ اَمْرَهٗ، اخْتَارَ اٰدَمَ ؑ، خِیْرَةً مِّنْ خَلْقِهٖ، وَ جَعَلَهٗ اَوّلَ جِبِلَّتِهٖ، وَ اَسْكَنَهٗ جَنَّتَهٗ، وَ اَرْغَدَ فِیْهَاۤ اُكُلَهٗ، وَ اَوْعَزَ اِلَیْهِ فِیْمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَ اَعْلَمَهٗ اَنَّ فِی الْاِقْدَامِ عَلَیْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِیَتِهٖ، وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهٖ فَاَقْدَمَ عَلٰی مَا نَهَاهُ عَنْهُ ـ مُوَافَاةً لِّسَابِقِ عِلْمِهٖ ـ فَاَهْبَطَهٗ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِیَعْمُرَ اَرْضَهٗ بِنَسْلِهٖ، وَ لِیُقِیْمَ الْحُجَّةَ بِهٖ عَلٰی عِبَادِهٖ، وَ لَمْ یُخْلِهِمْ بَعْدَ اَنْ قَبَضَهٗ، مِمَّا یُؤَكِّدُ عَلَیْهِمْ حُجَّةَ رُبُوْبِیَّتِهٖ، وَ یَصِلُ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَعْرِفَتِهٖ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلٰۤی اَلْسُنِ الْخِیَرَةِ مِنْۢ اَنْۢبِیَآئِهٖ، وَ مُتَحَمِّلِیْ وَدَآئِعِ رِسَالَاتِهٖ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتّٰی تَمَّتْ بِنَبِیِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ -حُجَّتُهٗ، وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهٗ وَ نُذُرُهٗ.
وَ قَدَّرَ الْاَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا، وَ قَسَّمَهَا عَلَی الضِّیْقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِیْهَا لِیَبْتَلِیَ مَنْ اَرَادَ بِمَیْسُوْرِهَا وَ مَعْسُوْرِهَا، وَ لِیَخْتَبِرَ بِذٰلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِیِّهَا وَ فَقِیْرِهَا، ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِیْلَ فَاقَتِهَا، وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ اٰفَاتِهَا، وَ بِفُرَجِ اَفْرَاحِهَا غُصَصَ اَتْرَاحِهَا.
وَ خَلَقَ الْاٰجَالَ فَاَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا، وَ قَدَّمَهَا وَ اَخَّرَهَا، وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ اَسْبَابَهَا، وَ جَعَلَهٗ خَالِجًا لِّاَشْطَانِهَا، وَ قَاطِعًا لِّمَرَآئِرِ اَقْرَانِهَا.
عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَآئِرِ الْمُضْمِرِیْنَ، وَ نَجْوَی الْمُتَخَافِتِیْنَ، وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُوْنِ، وَ عُقَدِ عَزِیْمَاتِ الْیَقِیْنِ، وَ مَسَارِقِ اِیْمَاضِ الْجُفُوْنِ، وَ مَا ضَمِنَتْهُ اَكْنَانُ الْقُلُوْبِ وَ غَیَابَاتُ الْغُیُوْبِ، وَ مَاۤ اَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهٖ مَصَآئِخُ الْاَسْمَاعِ، وَ مَصَآئِفِ الذَّرِّ، وَ مَشَاتِی الْهَوَامِّ، وَ رَجْعِ الْحَنِیْنِ مِنْ الْمُوْلَهَاتِ، وَ هَمْسِ الْاَقْدَامِ، وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَآ ئِجِ غُلُفِ الْاَكْمَامِ، وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوْشِ مِنْ غِیْرَانِ الْجِبَالِ وَ اَوْدِیَتِهَا، وَ مُخْتَبَاِ الْبَعُوْضِ بَیْنَ سُوْقِ الْاَشْجَارِ وَ اَلْحِیَتِهَا، وَ مَغْرَزِ الْاَوْرَاقِ مِنَ الْاَفْنَانِ، وَ مَحَطِّ الْاَمْشَاجِ مِنْ مَّسَارِبِ الْاَصْلَابِ، وَ نَاشِئَةِ الْغُیُوْمِ وَ مُتَلَاحِمِهَا، وَ دُرُوْرِ قَطْرِ السَّحَابِ فِیْ مُتَرَاكِمِهَا، وَ مَا تَسْفِی الْاَعَاصِیْرُ بِذُیُوْلِهَا، وَ تَعْفُو الْاَمْطَارُ بِسُیُوْلِهَا، وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْاَرْضِ فِیْ كُثْبَانِ الرِّمَالِ، وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْاَجْنِحَةِ بِذُرٰی شَنَاخِیْبِ الْجِبَالِ، وَ تَغْرِیْدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِیْ دَیَاجِیْرِ الْاَوْكَارِ، وَ مَاۤ اَوْعَبَتْهُ الْاَصْدَافُ، وَ حَضَنَتْ عَلَیْهِ اَمْوَاجُ الْبِحَارِ، وَ مَا غَشِیَتْهُ سُدْفَةُ لَیْلٍ، اَوْ ذَرَّ عَلَیْهِ شَارِقُ نَهَارٍ، وَ مَاۤ اعْتَقَبَتْ عَلَیْهِ اَطْبَاقُ الدَّیَاجِیْرِ، وَ سُبُحَاتُ النُّوْرِ، وَ اَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ، وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ، وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَ تَحْرِیْكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ، وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ، وَ مَا عَلَیْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، اَوْ ساقِطِ وَرَقَةٍ، اَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ، اَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَّ مُضْغَةٍ، اَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَّ سُلَالَةٍ.
لَمْ تَلْحَقْهُ فِیْ ذٰلِكَ كُلْفَةٌ، وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِیْ حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهٖ عَارِضَةٌ، وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِیْ تَنْفِیْذِ الْاُمُوْرِ وَ تَدَابِیْرِ الْمَخْلُوْقِیْنَ مَلَالَةٌ وَّ لَا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهٗ، وَ اَحْصَاهُمْ عَدُّهٗ، وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهٗ، وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهٗ، مَعَ تَقْصِیْرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ اَهْلُهٗ.
اَللّٰهُمَّ اَنْتَ اَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِیْلِ، وَ التَّعْدَادِ الْكَثِیْرِ، اِنْ تُؤَمَّلْ فَخَیْرُ مَاْمُوْلٍ، وَ اِنْ تُرْجَ فَاَكْرَمُ مَرْجُوٍّ.
اَللّٰهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَّ لِیْ فِیْمَا لَاۤ اَمْدَحُ بِهٖ غَیْرَكَ، وَ لَاۤ اُثْنِیْ بِهٖ عَلٰۤی اَحَدٍ سِوَاكَ، وَ لَاۤ اُوَجِّهُهٗۤ اِلٰی مَعَادِنِ الْخَیْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّیْبَةِ، وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِیْ عَنْ مَّدَآئِحِ الْاٰدَمِیِّیْنَ، وَ الثَّنَآءِ عَلَی الْمَرْبُوْبِیْنَ الْمَخْلُوْقِیْنَ.
اَللّٰهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلٰی مَنْ اَثْنٰی عَلَیْهِ مَثُوْبَةٌ مِّنْ جَزَآءٍ، اَوْ عَارِفةٌ مِّنْ عَطَآءٍ، وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِیْلًا عَلٰی ذَخَآئِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوْزِ الْمَغْفِرَةِ.
اَللّٰهُمَّ وَ هٰذَا مَقَامُ مَنْ اَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِیْدِ الَّذِیْ هُوَ لَكَ، وَ لَمْ یَرَ مُستَحِقًّا لِّهٰذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَیْرَكَ، وَ بِیْ فَاقَةٌ اِلَیْكَ لَا یَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا اِلَّا فَضْلُكَ، وَ لَا یَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا اِلَّا مَنُّكَ وَ جُوْدُكَ، فَهَبْ لَنَا فِیْ هٰذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ، وَ اَغْنِنَا عَنْ مَّدِّ الْاَیْدِیْۤ اِلٰی مَنْ سِوَاكَ، ﴿اِنَّكَ عَلٰی كُلِّ شَیْءٍ قَدِیْرٌ﴾!.
خطبة (89): في خلق السماء والأرض واستواء الأرض على الماء (تُعْرَفُ بِـ »خُطْبَةِ الْاَشْبَاحِ« وَ هِیَ مِنْ جَلَآئِلِ خُطَبِهٖ ؑ وَ كَانَ سَئَلَهٗ سَآئِلٌ اَنْ یّصِفَ اللهَ حَتّٰى كَاَنَّهٗ یَرَاهُ عِیَانًا، فَغَضِبَ ؑ لِذٰلِكَ ( وَ قَالَ:))
هذه الخطبة مشهورة بخطبة الأشباه، وهي من أرفع خطب أمير المؤمنين عليه السلام.. جاء رداً على سائل طلب منه أن يصف صفات خالق العالم بحيث كأننا نراه بأعيننا. فغضب الامام وقال: الحمد لله الذي لا يغني بمنع فضله وعطاءه، ولا يعجز ولا ينقص في الجود والعطاء.. ولكل معطي غيره نقصان في العطاء، وقد يعتبرون سيئين إذا كفوا أيديهم. فهو الذي يجعل الشكر بالنعم النافعة، والعطايا الكثيرة، وتوزيع الرزق. كل الخليقة هي عائلته. وجعل الرزق للجميع. لقد فتح الطريق لمن يريده ويطلب بركاته. وهو كريم إذا لم تمتد يد الطلب كما هو كريم إذا كانت يد الطلب والدعاء ممدودة. فهو الأول الذي ليس له قبل فلا يمكن أن يكون قبله شيء، والآخر الذي ليس له بعد فلا يفترض بعده شيء. ويمنع حدقة العيون (من بعيد) من الوصول إليه أو معرفة حقيقته. ولا تمر عليه أزمنة مختلفة تغير في حاله. وليس في أي مكان حتى تصح له الحركة. فإذا أعطى المعادن الثمينة كالفضة والذهب التي تنفثها مناجم الجبال بأنفاس طويلة، واللؤلؤ المنثور، وقطع المرجان الذي تطرده أصداف الأنهار ضاحكةً، فلا يؤثر ذلك في عطائه، ولا ينفذ خزائن ثروته.. ولا تزال معه كنوز من النعم والكرامات التي لا يمكن أن تنتهي مطالب الناس. فهو كريم لا يفقره قضاؤه، ولا يؤديه إلحاح الداعين إلى البخل.. يا أيها الطالبون (صفات الله)! اتبع الصفات التي أخبرك بها القرآن، واستمر في الاستنارة بنور هداه. واترك علم الأشياء التي لم تجب في القرآن، والتي ليس اسمها وعلامتها في سنة النبي وأئمة الهدى، والتي لم يكلفك معرفتها إلا الشيطان، لله وحده.. وهذا آخر حد حق الله عليك. وتذكر أن الراسخين في العلم هم الذين يعترفون بكل ما هو مخفي وراء حجب الغيب على وجه العموم، وإن كانوا لا يعرفون تأويله وتفاصيله.. وهذا الاعتراف جعلهم في حاجة إلى اختراق حجب الغيب. وقد أثنى الله عليهم على ذلك اعترافهم بعجزهم عن الوصول إلى ما هو خارج نطاق علمهم. وترك العمق والجهد فيما لم يكلفهم الله بمناقشته في حقيقته يسمى ثباتاً. فاكتفي بهذا ولا تقصر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين. إنه قدير لدرجة أنه عندما يرمي الخيال سهامه ليعرف حد قدرته، ويتحرر الفكر من كل أنواع الشكوك ليتعرف على أسرار قلمه وملكوته، وتتسارع القلوب إلى فهم نوعية صفاته، وتتجاوز طرق بحث العقول وطلبها لمعرفة الذات الإلهية حد التعبير، فإن الله في تلك اللحظة التي يجتازون فيها أعماق ظلمات الغيب يقلبهم جميعا. العودة (مع الأسماء). فإذا رجعوا مهزومين، عليهم أن يعترفوا بأن علمه لا يمكن أن يحصل بمثل هذا الضلال، ولا يمكن أن يدخل أدنى أثر من جلاله وجلاله في قلوب المقيسين.. وهو الذي خلق الخلق بغير مثال قبله، وبغير تقليد لمخلوق أي خالق أو إله قبله.. ومن خلال ملكوت قدرته ومن خلال تلك الأشياء العجيبة التي تتكلم فيها آثار حكمته وعلمه، ومن خلال اعتراف الخليقة بأنها بحاجة إلى معونته في توقفها ووقوفها، أظهر لنا الأشياء التي أرشدتنا إلى علمه من خلال قوة البرهان التي قامت، وفي تلك المخلوقات العجيبة تظهر نماذج صنعته وآثار حكمته بشكل واضح.. فصار كل مخلوق له حجة وبرهاناً. وحتى لو كان مخلوقًا صامتًا، فهو دليل ناطق على تدبير الله وصنعته، وإرشاده إلى وجود الخالق يبقى ثابتًا ودائمًا.. أشهد أن من شبهك بخلقك من تفرق أعضائهم واتصال الرؤوس من مفاصل مغطاة باللحم والجلد بصنعة حكمتك، لم يتصل ضميره المستتر بعلمك، ولم يمس قلبه يقين أنه لا شريك لك.. وكأنه لم يسمع قول التابعين الذين يريدون أن يتبرأوا من قادتهم فيقولون: والله! لقد كنا في ضلال مبين إذ كنا نسويك برب العالمين. باطل هم الذين يساوونك بغيرك، ويشبهونك بأصنامهم، وينسبونك في خيالهم صفات المخلوقين، ويقسمونك في فكرهم كما تنفصل مفاصل الأجسام، ويشبهونك حسب فهم عقولهم بالمخلوقات ذات القوى المختلفة.. وأشهد أن من ساواك بأحد من خلقك فقد جعلك ندا. ومن جعلك نداً فقد جاحد لما جاء في آيات كتابك المحكمات وبينت الحقائق من جانبك البينات. أنت الله الذي لا يمكن احتواؤه في حدود العقول، وقبول الصفات بالدخول في نطاق تفكيرهم، ولا يمكن أن تقتصر في نطاق تفكيرهم، فتكون محدودًا ومقيدًا بعملياتهم العقلية.. ومن هذه الخطبة: أنه وضع قدرا للأشياء التي خلقها ثابتة ثابتة، ورتبها حسنة نقية، ووضعها في مسارها بحيث لا تتجاوز حد مقصودها النهائي، ولا تقصر عن الوصول إلى الهدف النهائي.. فلما أمروا أن يسيروا على إرادة الله لم يعصوا وكيف ذلك وكل الأمور صادرة عن إرادته وإرادته. فهو مبدع الكلام دون الرجوع إلى أي فكر، ودون أي نشاط طبيعي قد يخفيه الإنسان في القلب، ودون أي خبرة مكتسبة من أحداث الزمن، ودون أي شريك يكون له معينًا ومعينًا في خلق هذه الأشياء العجيبة.. فاكتمل الخلق، وأحنت رأسها لطاعة الله وتقدمت قائلة: «ها أنا» استجابة لدعوته.. ولم يلحق به بطء المماطل، ولا تهاون المعتذر عائقا. قوم اعوجاجهم ووضع حدودهم. وخلق بقدرته الانسجام والتوافق في هذه الأشياء المتناقضة، وربط روابط النفوس وقسمها إلى أنواع مختلفة، منفصلة في حدودها، ومقاييسها، وطبائعها، وأشكالها.. وهذا مخلوق حديث ثبت بنيانه وخلقه وأنشأه حسب إرادته. وجزء من هذه الخطبة في وصف السماء: رتب المنخفضات والارتفاعات في شقوقها من غير ربطها بشيء، وضم مساحات شقوقها وربطها ببعضها البعض، وسهل صعوبة مرتفعاتها على النازلين بأمره والصاعدين بأفعال الخلق.. وكانت السماء لا تزال على شكل دخان عندما سماها الله، وعلى الفور ترابطت روابطهما. وفتح أبوابها المغلقة بعد أن أغلقت، وأقام على فتحاتها حراس الشهاب، ووقفهم بقدرته أن يضلوا في فلك الهواء، وأمرهم أن يقيموا في مراكزهم راكعين لأمره.. وجعل شمس السماء مضيئة للنهار، والقمر ليلا مضيئا، وجعلهما في مساراتهما، وقدّر سرعتهما في مساراتهما، ليتميز بهما النهار والليل، وتعرف السنين والحسابات بحسابهما.. ثم علق هذا الجلد في السماء وعلق فيه لزخرفته نجوما كاللؤلؤ المنثور والمصابيح المضيئة، ورما الشهاب سهاما على المستمعين سرا، وجعل النجوم تجري بقهره وقوته، بعضها ثابت وبعضها متحرك، تارة ترتفع وتغرب بعضها، بعضها بالشقاء وبعضها بالحظ.. وجزء من هذه الخطبة في وصف الملائكة: ثم خلق الله تعالى خلقا عجيبا من الملائكة ليسكنوا في سمواته ويعمروا أعلى ملكوته.. ملأ بهم كل ركن من أركان السماء الواسعة وغطى كل ركن من أركان فضاءها. وتدوي أصوات الملائكة المُسبحين في مساحات تلك الجوانب الواسعة، داخل أسوار القداسة والطهارة، وحجب العظمة العميقة، وستائر الجلال والمجد.. ووراء هذا الرنين الذي يصم الآذان، هناك وفرة من المظاهر الضوئية التي تمنع العيون من الوصول إليها. لذلك يبقون في مكانهم، فاشلين وخائبين. خلقهم الله (الملائكة) في أشكال مختلفة وأحجام مختلفة. ولهم أجنحة وريش، ويعظمون جلاله وكرامته باستمرار. ولا ينسبون لأنفسهم الصنائع التي ظهرت في الخلق، ولا يزعمون أنهم قادرون على خلق شيء كان متفردًا في خلقه وواحدًا.. بل هم عباده الكرام الذين لا يسبقونه في القول شيئا، ويعملون بقوله. وقد أرسلهم الله إلى الرسل أمناء على وحيه، وحاملين لأمره ونهيه، وحفظهم من زلات الشبهة والشبهات.. فليس منهم من يخجل من طريق طلب رضاه. وأيّدهم بتوفيقه وإعانته، ولبس قلوبهم بالذلة وانكسار الخضوع والذل، وفتح لهم أبواب اليسر من التعظيم والتقديس، وأقام لهم المآذن المضيئة على آيات وحدانيته.. فلا ثقلت عليهم أثقال الذنوب، ولا ثقل عليهم دوران الليل والنهار، ولم ترم الشكوك والظنون سهاماً على قوة إيمانهم، ولا هاجمت الظنون قوة يقينهم.. ولم تشتعل بينهم شرارة العداوة والغيرة. ولم تتمكن الحيرة والحيرة من أن تخطف المعرفة التي تغلغلت في قلوبهم وعظمة الرب وهيبة الجلال الإلهي التي استقرت في أعماق صدورهم. ولم يسن عليهم الوسوسة أسنانهم قط ليلوثوا أفكارهم بالصدأ والاضطراب. ومنهم من هو على صورة خلق الله السحاب الثقال، وشواهد الجبال الشامخة، وظلمات الظلمات الدامسة، ومنهم من خرقت أقدامه حدود اللجج الأسفل. فهم كالرايات البيضاء قد تقدمت لتتسع المساحة، وفي نهاية هذه الرايات تهب ريح خفيفة تكبحهم. إن مهن العبادة جعلت هؤلاء الملائكة في حاجة إلى كل شيء. وصارت لهم عقائد الإيمان الراسخة وسيلة إلى معرفة الله، وصرفهم رباط اليقين عن غيره وتعلقوا بمحبتهم له وحده.. ولا يرغبون في العطايا والنعم إلا من آلاء الله. لقد ذاقوا نكهات المعرفة الحلوة، وسكروا بكأس محبته المروية. وقد رسخت خشيته في أعماق قلوبهم، فأنحنوا ظهورهم بالعبادات الطويلة والواسعة، ورغم دوام الطلب إليه إلا أن مخزونهم من الدعاء والخشوع لا ينتهي، ورغم أعالي القرب من الله لا تنقطع أنشاد الخوف والذل عن أعناقهم.. ولا ينشأ فيهم غرور أبدًا فينظرون إلى أفعالهم الماضية أكثر، ولا يتيح لهم تواضعهم وتواضعهم أمام جلالة الرب فرصة اعتبار أعمالهم الصالحة عظيمة.. ومع استمرار التعب لا يأتيهم الكسل، ولم يقل سعيهم ورغبتهم في الإعراض عن رجاء ربهم، ولم تجف أطراف ألسنتهم من كثرة الدعاء، ولم يحدث قط أنهم خفضوا أصوات الدعاء والتضرع في المشاغل الأخرى، ولا تتأخر أكتافهم في صفوف العبادة، ولا يديرون أعناقهم هنا وهناك، مهملين تنفيذ أوامره في سبيل الله. الراحة والراحة. ولا جهلات الغفلة تهاجم عزم جهودهم ولا تمر الوساوس الخادعة من خلال طموحاتهم. لقد جعلوا صاحب العرش مخزنهم ليوم الحاجة، وإذا تقدم قوم آخرون بأهوائهم إلى الخلق، فإنهم لا يعلقون إلا محبتهم عليه. ولا يمكنهم أن يصلوا إلى حد عبادته. إن الشوق العاطفي للعبادة (بدلاً من أخذهم إلى مكان آخر) يأخذهم إلى ينابيع الأمل والخوف في قلوبهم، والتي لا تتوقف مصادرها أبدًا. لم ينتهِ وجود الخوف فيتكاسلوا في سعيهم، ولا سيطر عليهم أطماع الدنيا فيفضلوا الجهد المؤقت للدنيا على هذا النضال، ولم يعظموا أعمالهم الماضية ولو فعلوا ذلك لتمحي الآمال مخاوف الله من (صفحات قلوبهم).. ولم يختلفوا في ربهم لمكر الشيطان، ولا تفرقوا وتفرقوا بقطع بعضهم عن بعض، ولا ظهر في قلوبهم العداوة والبغضاء بحسد بعضهم على بعض، ولا تفرقوا لوقوعهم في الشكوك والشبهات.. ولم تسيطر عليهم الطموحات المنخفضة على الإطلاق. إنهم مقيدون بالإيمان، ولم يحررهم من قيوده الاعوجاج أو الانحراف أو الكسل أو الكسل.. ليس على وجه السماء مساحة إلا جلداً، إلا ملكاً ساجداً، أو ملكاً مسرعاً. وتزداد معرفتهم مع زيادة طاعة الرب، وتزداد في قلوبهم عظمة وجلال إكرامه.. جزء من هذه الخطبة: (وفيها بيان حالة الأرض وامتدادها على الماء): مد الأرض على الأمواج المرعبة التي كانت ترتفع وتنخفض وعلى الأعماق الشديدة للبحار الكاملة، حيث كانت الأمواج تصطدم بالأمواج وتضرب، وتدفع الأمواج وتدوي، وتدور بها مثل البعير في حالة سكر وإثارة.. فهدأت أمواج هذا الماء الهائج تحت ضغط ثقل الأرض، فلما ضغط صدره عليها وهدأها هدأ كل حماسة وحرارة، ولما رجع ضاغطا عليها منكبيه، صارت خاضعة ذليلا وذلا.. حيث كانت أمواجها هادرة، أصبحت الآن ساكنة، عاجزة، عاجزة، وأصبحت مطيعة، أسيرة في زمام الذل. مدت الأرض طرفها في أعماق هذا الماء الهائج، وتوقفت عن ارتفاعها ورفع رأسها كبرياء وكبرياء، وانتهت من ارتفاعها وإظهار التفوق والارتفاع في الجريان.. ووضع على فائض جريانه من الحواجز حتى توقف بعد قفزه، وانقطع أنفاسه تمامًا، وتوقف بعد أن أظهر تسمم القفزات والقفزات.. فلما سكنت تحت حوافها قوة وشدة سيل المياه، وحملت على كتفيها ثقل الجبال العالية والواسعة، فجر من أنفها ينابيع الماء، فنشرها في القفار البعيدة وحفر الحفر.. وخلق الاعتدال في حركتها في الصخور الثابتة والجبال الحجرية ذات القمم العالية. فتوقف اهتزازها لغرق الجبال في أجزاء مختلفة من سطحها واختراقها في أعماق قاعها وركوبها على ارتفاعات أجزائها المستوية والسطوح المنخفضة. وخلق الله من الأرض اتساعا وعرضا إلى الفضاء الواسع، ووفر الهواء للتنفس لمن يعيش فيها، وأسكن من يسكنها بكل احتياجاته.. ثم لم يترك الأراضي الجرداء التي لا يبلغ ارتفاعها مياه الينابيع ولا مجاري الأنهار، دون أي وسيلة للوصول إليها، بل خلق لها سحابا يطلع على الهواء، تجري مجاري الحياة في الأرض الميتة وينبت منها العشب.. فجمع قطع السحب المضيئة المتناثرة والسحب المتفرقة لتكون سحابة شاملة، فلما تحركت مخازن الماء فيها ولمع البرق في أطرافها، واستمر وميض البرق يتدفق داخل طبقات السحب البيضاء والسحب الكثيفة، فأرسلها الله لينزلوا مطرا غزيراً.. بحيث كانت قطعها الثقيلة المليئة بالمياه تنحدر إلى الأرض، وتسببت الرياح الجنوبية في تساقط قطرات المطر الغزيرة عليها وهطول الأمطار المفاجئة. فلما ضغط السحاب صدوره بأيديه وأرجله على الأرض، وألقى عليها كل حملها من الماء، فإنبت الله من الأرض الجرز خضرا، ونشر في الجبال اليابسة نباتا أخضر.. كما بدأت الأرض تتراقص فرحاً من زينة مروجها وبدأت تتباهى بأحجبة الزهر التي أسدلت عليها وزخارف البراعم النضرة النضرة التي تزينت عليها. وقد جعل الله هذه الأشياء معيشة الناس ومعيشة ذوات الأربع، وفتح في اتجاهات الأرض سبلا واسعة، وأقام منابر من نور للسائرين في طرقها.. ولما بسط الله بساط الأرض وأكمل عمله، اختار آدم (عليه السلام) لتفضيله على سائر الخلق، وجعله أول فرد من جنس البشر.. وأسكنه جنته، حيث رتب لهم أن يأكلوا ويشربوا على قلوب منفتحة، وما كان منهيا عنه قد سبق أن حذرهم منه من قبل، وأخبرهم أن المشي إليه انحراف عن الأمر وتعريض للموقف للخطر.. بل لجأوا إلى ما نهوا عنه كما كان في علمه. فبعد التوبة أنزلهم من الجنة ليعمر أرضه بذريتهم ويكون بهم الحجة للعباد. ولم يترك الله خلقه بعد أخذ آدم عليه السلام خاليا مما يقوي أدلة ربوبيته ويكون سببا لعلمه للعباد. ومن وقت لآخر، في كل عصر، كان يجدد تقديم الحجة على ألسنة أنبيائه المنتخبين وأوصياء النبوة. حتى تم على نبينا تلك الحجة، وبلغ تمام الحجة والإنذار نهايتهما. وقد جعل الرزق (أكثر للبعض وأقل لبعضهم)، وجعل في توزيعه التضييق في بعض الأماكن، والسعة في بعضها الآخر، وكان ذلك بالعدل التام، بحيث ابتلى ما شاء، في الرزق يسرا أو عسرا، وابتلى شكر الغني والفقراء وصبرهم.. ثم جعل أخطار الفقر والجوع مع سعة الرزق، وهواجس المصائب الجديدة في أمانها، وأنشودة الحزن والغضب الخانقة مع أفراح السعة والسعة.. لقد عين شروطا للحياة (مختلفة لكل منها)، أكثر لبعضها وأقل لبعضها البعض، وتقدم البعض ويؤخر البعض الآخر، وربط عقد الموت بحبال هذه الشروط، فيسحبهم الموت ويكسر أواصرهم القوية.. فهو يعلم نوايا مخفيي الأسرار، ووسوسة الوسواس، والخواطر الباطلة، والنيات اليقينية الساكنة في القلوب، وإشارات الحواجب، والأشياء المكنونة في أعماق القلوب وأعماق الغيب، وتلك الأصوات السمعية التي يجب أن يميلها إلى فتحات الآذان، ويعلم مساكن النمل في الصيف ومواضع الأرض. الحشرات تقضي الشتاء، وهو السامع لصدى عويل النساء اللاتي فقدن أبناءهن، وصوت الخطى، ويعلم أماكن نمو الثمار في التجاويف الداخلية لأغطية الأوراق الخضراء، ومغارات الجبال ومنخفضاتها التي تأوي إليها الحيوانات البرية، وثقوب جذوع الأشجار ولحاءها حيث يخفي البعوض رؤوسه، وأماكن نبت الأوراق في الأغصان، وأماكن المني في ممرات الأصلب. وطبقات السحب الصاعدة من الأرض، والسحب المتصلة ببعضها البعض، وطبقات السحب المتراكمة فوق بعضها البعض والتي يتساقط منها قطرات المطر. وفي علمه حبات الرمل التي هبت العواصف من أطرافها، والآثار التي محاها سيول المطر، ويعلم تحركات حشرات الأرض على كثبان الرمل، وأعشاش الطير ذات الأجنحة والريش على قمم الجبال العالية، وتغريد الطير في ظلمات الأعشاش والبيوت، والأشياء التي تجمعها الأصداف، والأشياء التي يضغطها موج البحر تحت جوانبها، وأشياء ذلك الليل وغطت (الأغطية المظلمة)، والأشياء التي تناثرت عليها شمس النهار بأشعتها، والأشياء التي يستقر عليها طبقات الظلام تارة، وتجري عليها جداول النور تارة أخرى. يعرف كل أثر من آثار الأقدام، وكل إحساس وحركة لكل شيء، ورنين كل كلمة، وحركة شفاه، ومكان كل كائن حي، ووزن كل ذرة، وصوت بكاء كل كائن حي، وما على هذه الأرض، كل ذلك في علمه.. سواء كان ثمرة شجر، أو ورقًا متساقطًا، أو موضع نطفة، أو دمًا متجمدًا وعلقة، أو (بعد ذلك) المخلوق والمولود، (في معرفة هذه الأشياء) لا عليه أن يحتمل مشقة وتعب، ولا يواجه أي مانع في حفظ خلقه، ولا يصيبه الكسل والتعب عن تنفيذ أوامره وتدبير خلقه.. بل قد نفذ علمه في هذه الأشياء، وكل شيء في حسابه. عدله شامل، وفضله يشمل الجميع، ومع هذا فهم عاجزون عن إعطائه حقه كما يستحق.. يا الله! أنت وحدك أهل الوصف والثناء والثناء إلى أقصى الدرجة. إذا علق بك الأمل فأنت خير سند للقلوب، وإذا تعلقت بك الآمال فأنت خير نبع الأمل. لقد وهبت لي من القدرة على التعبير ما لا أثني عليه ولا أثني عليه غيرك، ولا أريد أن أصرف مدحي إلى أولئك الذين هم بؤر اليأس ومواضع الظن السيئ.. لقد صرفت لساني عن مدح البشر وتمجيد الخلق الخفي. يا رب! ولكل مدح الحق في أن ينال من محموده النعم والأوسمة والعطايا والكرم. وأنا جالس على أمل منك أنك أنت الذي تشير إلى خزائن الرحمة وكنوز المغفرة. يا الله! ويقف أمامك من وحدك في وحدانيتك ووحدانيتك، ولم يعتبر غيرك أهلا لهذه المدائح والثناءات.. حاجتي مرتبطة بك. لا يشفي فقرها إلا خيراتك ونجاحاتك، ولا يسد فقرها وحاجتها إلا كرمك وفضلك.. امنحنا رضاك في هذا المكان بالذات، وغني عنا أن نمد يد الطلب إلى الآخرين. أنت الذي له القدرة على كل شيء..
