خطبة خطبة : 103

خطبة (103): مدح النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه

حَتّٰی بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ، شَهِیْدًا وَّ بَشِیْرًا وَّ نَذِیْرًا، خَیْرَ الْبَرِیَّةِ طِفْلًا، وَ اَنْجَبَهَا كَهْلًا، اَطْهَرَ الْمُطَهَّرِیْنَ شِیْمَةً، وَ اَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِیْنَ دِیْمَةً.
فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْیَا فِیْ لَذَّتِهَا، وَ لَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَّضَاعِ اَخْلَافِهَا، اِلَّا مِنْۢ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوْهَا جَآئِلًا خِطَامُهَا، قَلِقًا وَضِیْنُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ اَقْوَامٍۭ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُوْدِ، وَ حَلَالُهَا بَعِیْدًا غَیْرَ مَوْجُوْدٍ.
وَ صَادَفْتُمُوْهَا وَاللهِ! ظِلًّا مَمْدُوْدًا اِلٰۤی اَجَلٍ مَّعْدُوْدٍ، فَالْاَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَ اَیْدِیْكُمْ فِیْهَا مَبْسُوْطَةٌ، وَ اَیْدِی الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوْفَةٌ، وَ سُیُوْفُكُمْ عَلَیْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَ سُیُوْفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوْضَةٌ.
اَلَاۤ اِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَآئِرًا، وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِبًا، وَ اِنَّ الثَّـآئِرَ فِیْ دِمَآئِنَا كَالْحَاكِمِ فِیْ حَقِّ نَفْسِهٖ، وَ هُوَ اللهُ الَّذِیْ لَا یُعْجِزُهٗ مَنْ طَلَبَ، وَ لَا یَفُوْتُهٗ مَنْ هَرَبَ.
فَاُقْسِمُ بِاللهِ یَا بَنِیْۤ اُمَیَّةَ! عَمَّا قَلِیْلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِیْۤ اَیْدِیْ غَیْرِكُمْ وَ فِیْ دَارِ عَدُوِّكُمْ! اَلَا اِنَّ اَبْصَرَ الْاَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِی الْخَیْرِ طَرْفُهٗ! اَلَا اِنَّ اَسْمَعَ الْاَسْمَاعِ مَا وَعَی التَّذْكِیْرَ وَ قَبِلَهٗ.
اَیُّهَا النَّاسُ! اسْتَصْبِحُوْا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَّاعِظٍ مُّتَّعِظٍ، وَ امْتَاحُوْا مِنْ صَفْوِ عَیْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ.
عِبَادَ اللهِ! لَا تَرْكَنُوْۤا اِلٰی جَهَالَتِكُمْ، وَ لَا تَنْقَادُوْا لِاَهْوَآئِكُمْ، فَاِنَّ النَّازِلَ بِهٰذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌۢ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، یَنْقُلُ الرَّدٰی عَلٰی ظَهْرِهٖ مِنْ مَّوْضِعٍ اِلٰی مَوْضِعٍ، لِرَاْیٍ یُّحْدِثُهٗ بَعْدَ رَاْیٍ، یُرِیْدُ اَنْ یُّلْصِقَ مَا لَا یَلْتَصِقُ، وَ یُقَرِّبَ مَا لَا یَتَقَارَبُ! فَاللهَ اللهَ! اَنْ تَشْكُوْا اِلٰی مَنْ لَا یُشْكِیْ شَجْوَكُمْ، وَ لَا یَنْقُضُ بِرَاْیِهٖ مَا قَدْ اُبْرِمَ لَكُمْ.
اِنَّهٗ لَیسَ عَلَی الْاَمَامِ اِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ اَمْرِ رَبِّهِ: الْاِبْلَاغُ فِی الْمَوْعِظَةِ، وَ الْاِجْتِهَادُ فِی النَّصِیْحَةِ، وَ الْاِحْیَآءُ لِلسُّنَّةِ، وَ اِقَامَةُ الْحُدُوْدِ عَلٰی مُسْتَحِقِّیْهَا، وَ اِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلٰۤی اَهْلِهَا.
فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِیْحِ نَبْتِهٖ، وَ مِنْ قَبْلِ اَنْ تُشْغَلُوْا بِاَنْفُسِكُمْ عَنْ مُّسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ اَهْلِهٖ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ، فَاِنَّمَا اُمِرْتُمْ بِالنَّهْیِ بَعْدَ التَّنَاهِیْ!.

وعلى كل حال، فقد بعث الله محمداً وهو شاهد ومبشر ونذير. الذي كان أفضل الخلق حتى في طفولته، وأشرف الكون حتى في كبره، وكان أطهر الناس أخلاقًا في خلقه، وأدوم الحمد في كرمه. سعدت الدنيا في ذلك الوقت بملذاتها، وحينئذ استطعتم أن تشربوا اللبن من ضروعها، وقد كانت قبلها تتأرجح مهارسها وترتجف لنجها (أي ليس لها راكب ولا راعي يلتقط بساتينها ويشد غصنها)، فصار على بعض الأمم محرماً كالحبة التي أغصانها بسبب ثمارها حلت لهم. والله إن هذا العالم في أيديكم بلا عائق، وأيدي الزعماء مغلولة إليهم. واعلموا أن لكل ذي حق وليا يقضي في حقه ولا يعجزه. لا يستطيع الهروب من يديه. أقسم بالله لتشاهدن أموالك في أيدي غيرك عما قريب، وهو عين أكثر من عيون الخيرين، من يستمع إلى كلام النصح، أشعل مصباحك بالموعظة، واملأه ماءً يا عبد الله، ولا تلتفت إلى هواك، فإنه واقف على حافة السيل، افعل ما تريد أن تقع. لقد حمل مهد الموت على ظهره، وأحياناً على تلك الكتف، على هيئة آرائه التي يتغير ويريد أن يعلق عليها، ولكنها ليست لزجة ويريد أن يجعلها قريبة، اتق الله حتى تأخذ شكواك وتجلس أمام الشخص الذي (حسب رغبتك) لن يزيل الشكوك، ولن يكسر قواعد الشريعة الثابتة والمتينة. وما على الإمام إلا أن يبلغهم كلمات النصح، وأن يحيي السنة، وأن يبسط الحدود للمختلسين. ازرع قبل أن يجف عشبها، وقبل أن تمنعك همومك من التعلم من أهل العلم. امنع الآخرين من الشر وامنع نفسك. لأنك مأمور بالكف عن المنكر، والكف عن غيرك لاحق.