خطبة خطبة : 127

خطبة (127): التي ذكرت فيها الموازين والموازين (فِیْ ذِكْرِ الْمَكَایِیْلِ وَ الْمَوَازِیْنِ)

عِبَادَ اللهِ! اِنَّكُمْ ــ وَ مَا تَاْمُلُوْنَ مِنْ هٰذِهِ الدُّنْیَاــ اَثْوِیَآءُ مُؤَجَّلُوْنَ، وَ مَدِیْنُوْنَ مُقْتَضَوْنَ: اَجَلٌ مَّنْقُوْصٌ، وَ عَمَلٌ مَّحْفُوْظٌ، فَرُبَّ دَآئِبٍ مُّضَیِّـعٌ، وَ رُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ. وَ قَدْ اَصْبَحْتُمْ فِیْ زَمَنٍ لَّا یَزْدَادُ الْخَیْرُ فِیْهِ اِلَّاۤ اِدْبَارًا، وَ لَا الشَّرُّ اِلَّا اِقْبَالًا، وَ لَا الشَّیْطٰنُ فِیْ هَلَاكِ النَّاسِ اِلَّا طَمَعًا.
فَهٰذَا اَوَانٌ قَوِیَتْ عُدَّتُهٗ، وَ عَمَّتْ مَكِیْدَتُهٗ، وَ اَمْكَنَتْ فَرِیْسَتُهٗ. اِضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَیْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ اِلَّا فَقِیْرًا یُكَابِدُ فَقْرًا، اَوْ غَنِیًّا بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا، اَوْ بَخِیْلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللهِ وَفْرًا، اَوْ مُتَمَرِّدًا كَاَنَّ بِاُذُنِهٖ عَنْ سَمْعِ الْموَاعِظِ وَقْرًا!.
اَیْنَ خِیَارُكُمْ وَ صُلَحَآؤُكُمْ! وَ اَیْنَ اَحْرَارُكُمْ وَ سُمَحَآؤُكُمْ! وَ اَیْنَ الْمُتَوَرِّعُوْنَ فِیْ مَكَاسِبِهِمْ، وَ الْمُتَنَزِّهُوْنَ فِیْ مَذَاهِبِهِمْ! اَ لَیْسَ قَدْ ظَعَنُوْا جَمِیْعًا عَنْ هٰذِهِ الدُّنْیَا الدَّنِیَّةِ، وَ الْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ، وَ هَلْ خُلِّفْتُمْ اِلَّا فِیْ حُثَالَةٍ لَّا تَلْتَقِیْۤ بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَارًا لِّقَدْرِهِمْ، وَ ذَهَابًا عَنْ ذِكْرِهِمْ؟! فَـ﴿اِنَّا لِلّٰهِ وَ اِنَّاۤ اِلَیْهِ رٰجِعُوْنَؕ۝﴾، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ فَلَا مُنْكِرٌ مُّغَیِّرٌ، وَ لَا زَاجِرٌ مُّزْدَجِرٌ.
اَفَبِهٰذَا تُرِیْدُوْنَ اَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِیْ دَارِ قُدْسِهٖ، وَ تَكُوْنُوْۤا اَعَزَّ اَوْلِیَآئِهٖ عِنْدَهٗ؟ هَیْهَاتَ! لَا یُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهٖ، وَ لَا تُنَالُ مَرْضَاتُهٗ اِلَّا بِطَاعَتِهٖ. لَعَنَ اللهُ الْاٰمِرِیْنَ بِالْمَعْرُوْفِ التَّارِكِیْنَ لَهٗ، وَ النَّاهِیْنَ عَنِ الْمُنكَرِ الْعَامِلِیْنَ بِهٖ!.

عباد الله! أنت وآمالك الدنيوية ضيوف إلى أجل مسمى، والمدينون المطالبون بالسداد أعمار تتضاءل، وسندات مؤمنة. سيتخلى العديد من المتسابقين عن جهودهم والعديد من الذين يحاولون جاهدين سيصلون إلى القاع. فهذا هو الوقت الذي أصبحت فيه معداته (تكتيكاته) قوية وتنتشر مؤامراته ويسهل محاصرة ضحاياه. أينما نظرت إلى الناس رأيت الفقير يعاني من الفقر والجوع من جهة، والأغنياء يتبادلون النعم بالكفر، والبخيل يزيد الغنى بقمع حق الله، ومن يصم الآذان عن التوبيخ والنصيحة. أين أهلك الطيبون والصالحون وأين أهلك العاليون والكرماء. أين الذين يجتنبون (الغش) في الأعمال ويطهرون طرقهم؟ ألم يرحلوا جميعاً من هذا العالم المهين المتسارع الذي يجعل الحياة ممتعة، وأما أنتم الباقين من بعدهم بين هؤلاء البائسين والمتواضعين الذين يعتبرون مكانتهم متدنية وحقيرة ويتجنبون ذكرهم، ولا يفتحون أفواههم حتى لإدانتهم. آنا ليلا وآنا إيليا راجيون. لقد ظهر الفساد، وهذا هو عصر الشر بحيث لا توجد بوادر ثورة، ولا رادع يستطيع أن يمنع نفسه. فهل نية العيش في جوار الله في الجنة وتصبح صديقه المقرب بهذه الأعمال؟ ويا توبة، إن الجنة لا تؤخذ من الله بمخادعته، ولا تنال رضاه إلا بطاعته. لعن الله من أمر بالمعروف وتركه، ونهى عن المنكر وفعله بنفسه.