خطبة خطبة : 184

خطبة (184): ذكر المبادئ الأساسية للمشكلات اللاهوتية (فِی التَّوْحِيْدِ)

وَ تَجْمَعُ هٰذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ اُصُوْلِ الْعِلْمِ مَا لَا تَجْمَعُهٗ خُطْبَةٌ (غَیْرَھَا)
مَا وَحَّدَهٗ مَنْ كَیَّفَهٗ، وَ لَا حَقِیْقَتَهٗۤ اَصَابَ مَنْ مَّثَّلَهٗ، وَ لَاۤ اِیَّاهُ عَنٰی مَنْ شَبَّهَهٗ، وَ لَا صَمَدَهٗ مَنْ اَشَارَ اِلَیْهِ وَ تَوَهَّمَهٗ. كُلُّ مَعْرُوْفٍۭ بِنَفْسِهٖ مَصْنُوْعٌ، وَ كُلُّ قَآئِمٍ فِیْ سِوَاهُ مَعْلُوْلٌ.
فَاعِلٌ لَّا بِاضْطِرَابِ اٰلَةٍ، مُقَدِّرٌ لَّا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِیٌّ لَّا بِاسْتِفَادَةٍ. لَا تَصْحَبُهُ الْاَوْقَاتُ، وَ لَا تَرْفُدُهُ الْاَدَوَاتُ، سَبَقَ الْاَوْقَاتَ كَوْنُهٗ، وَ الْعَدَمَ وُجُوْدُهٗ، وَ الْاِبْتِدَآءَ اَزَلُهٗ.
بِتَشْعِیْرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ اَنْ لَّا مَشْعَرَ لَهٗ، وَ بِمُضَادَّتِهٖ بَیْنَ الْاُمُوْرِ عُرِفَ اَنْ لَّا ضِدَّ لَهٗ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ الْاَشْیَآءِ عُرِفَ اَنْ لَّا قَرِیْنَ لَهٗ. ضَادَّ النُّوْرَ بِالظُّلْمَةِ، وَ الْوُضُوْحَ بِالْبُهْمَةِ، وَ الْجُمُوْدَ بِالْبَلَلِ، وَ الْحَرُوْرَ بِالصَّرَدِ. مُؤَلِّفٌۢ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا، مُقَارِنٌۢ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌۢ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌۢ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا.
لَا یُشْمَلُ بِحَدٍّ، وَ لَا یُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَ اِنَّمَا تَحُدُّ الْاَدَوَاتُ اَنْفُسَهَا، وَ تُشِیْرُ الْاٰلَاتُ اِلٰی نَظَآئِرِهَا، مَنَعَتْهَا »مُنْذُ« الْقِدَمِیَّةَ، وَ حَمَتْهَا »قَدُ« الْاَزَلِیَّةَ، وَ جَنَّبَتْهَا »لَوْلَا« التَّكْمِلَةَ! بِهَا تَجَلّٰی صَانِعُهَا لِلْعُقُوْلِ، وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَّظَرِ الْعُیُوْنِ.
لَا یَجْرِیْ عَلَیْهِ السُّكُوْنُ وَ الْحَرَكَةُ، وَ كَیْفَ یَجْرِیْ عَلَیْهِ مَا هُوَ اَجْرَاهُ، وَ یَعُوْدُ فِیْهِ مَا هُوَ اَبْدَاهُ، وَ یَحْدُثُ فِیْهِ مَا هُوَ اَحْدَثَةٗ! اِذًا لَّتَفَاوَتَتْ ذَاتُهٗ، وَ لَتَجَزَّاَ كُنْهُهٗ، وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْاَزَلِ مَعْنَاهُ، وَ لَكَانَ لَهٗ وَرَآءٌ اِذْ وُجِدَ لَهٗ اَمَامٌ، وَ لَالْتَمَسَ التَّمَامَ اِذْ لَزِمَهٗ النُّقْصَانُ. وَ اِذًا لَّقَامَتْ اٰیَةُ الْمَصْنُوْعِ فِیْهِ، وَ لَتَحَوَّلَ دَلِیْلًۢا بَعْدَ اَنْ كَانَ مَدْلُوْلًا عَلَیْهِ، وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الْاِمْتِنَاعِ مِنْ اَنْ یُّؤَثِّرَ فِیْهِ مَا یُؤثِّرُ فِیْ غَیْرِهِ. الَّذِیْ لَا یَحُوْلُ وَ لَا یَزُوْلُ، وَ لَا یَجُوْزُ عَلَیْهِ الْاُفُوْلُ.
لَمْ یَلِدْ فَیَكُوْنَ مَوْلُوْدًا، وَ لَمْ یُوْلَدْ فَیَصِیْرَ مَحْدُوْدًا، جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْاَبْنَآءِ، وَ طَهُرَ عَنْ مُّلَامَسَةِ النِّسَآءِ. لَا تَنَالُهُ الْاَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهٗ، وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهٗ، وَ لَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتَحُسَّهٗ، وَ لَا تَلْمِسُهُ الْاَیْدِیْ فَتَمَسَّهٗ.
لَا یَتَغَیَّرُ بِحَالٍ، وَ لَا یَتَبَدَّلُ فِی الْاَحْوَالِ، وَ لَا تُبْلِیْهِ اللَّیَالِیْ وَ الْاَیَّامُ، وَ لَا یُغَیِّرُهُ الضِّیَآءُ وَ الظَّلَامُ، وَ لَا یُوْصَفُ بِشَیءٍ مِّنَ الْاَجْزَآءِ، وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْاَعْضَآءِ، وَ لَا بِعَرَضٍ مِّنَ الْاَعْرَاضِ، وَ لَا بِالْغَیْرِیَّةِ وَ الْاَبْعَاضِ. وَ لَا یُقَالُ لَهٗ حَدٌّ وَّ لَا نِهَایَةٌ، وَ لَا انْقِطَاعٌ وَّ لَا غَایَةٌ، وَ لَاۤ اَنَّ الْاَشْیَآءَ تَحْوِیْهِ فَتُقِلَّهٗ اَوْ تُهْوِیَهٗ، اَوْ اَنَّ شَیْئًا یَّحْمِلُهٗ، فَیُمِیْلَهٗ اَوْ یُعَدِّلَهٗ. لَیْسَ فِی الْاَشْیَآءِ بِوَالِجٍ، وَ لَا عَنْهَا بِخَارِجٍ.
یُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَّ لَهَوَاتٍ، وَ یَسْمَعُ لَا بِخُرُوْقٍ وَّ اَدَوَاتٍ، یَقُوْلُ وَ لَا یَلْفِظُ، وَ یَحْفَظُ وَ لَا یَتَحَفَّظُ، وَ یُرِیْدُ وَ لَا یُضْمِرُ. یُحِبُّ وَ یَرْضٰی مِنْ غَیْرِ رِقَّةٍ، وَ یُبْغِضُ وَ یَغْضَبُ مِنْ غَیْرِ مَشَقَّةٍ.
یَقُوْلُ لِمَنْ اَرَادَ كَوْنَهٗ: ﴿كُنْ فَیَكُوْنُ۝﴾، لَا بِصَوْتٍ یَّقْرَعُ، وَ لَا بِنِدَآءٍ یُّسْمَعُ، وَ اِنَّمَا كَلَامُهٗ سُبْحَانَهٗ فِعْلٌ مِّنْهُ اَنْشَاَهُ، وَ مِثْلُهٗ لَمْ یَكُنْ مِّنْ قَبْلِ ذٰلِكَ كَآئِنًا، وَ لَوْ كَانَ قَدِیْمًا لَّكَانَ اِلٰهًا ثَانِیًا.
لَا یُقَالُ: كَانَ بَعْدَ اَنْ لَّمْ یَكُنْ، فَتَجْرِیَ عَلَیْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، وَ لَا یَكُوْنُ بَیْنَهَا وَ بَیْنَهٗ فَصْلٌ، وَ لَا لَهٗ عَلَیْهَا فَضْلٌ، فَیَسْتَوِیَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوْعُ، وَ یَتَكَافَاَ المُبْتَدَعُ وَالْبَدِیْعُ.
خَلَقَ الْخَلَآئِقَ عَلٰی غَیْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَیْرِهٖ، وَ لَمْ یَسْتَعِنْ عَلٰی خَلْقِهَا بِاَحَدٍ مِّنْ خَلْقِهٖ. وَ اَنْشَاَ الْاَرْضَ فَاَمْسَكَهَا مِنْ غَیْرِ اشْتِغَالٍ، وَ اَرْسَاهَا عَلٰی غَیْرِ قَرَارٍ، وَ اَقَامَهَا بِغَیْرِ قَوَآئِمَ، وَ رَفَعَهَا بِغَیْرِ دَعَآئِمَ، وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْاَوَدِ وَ الْاِعْوِجَاجِ، وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الْاِنْفِرَاجِ، اَرْسٰۤی اَوْتَادَهَا، وَ ضَرَبَ اَسْدَادَهَا، وَ اسْتَفَاضَ عُیُوْنَهَا، وَ خَدَّ اَوْدِیَتَهَا، فَلَمْ یَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ.
هُوَ الظّاهِرُ عَلَیْهَا بِسُلْطَانِهٖ وَ عَظَمَتِهٖ، وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهٖ وَ مَعْرِفَتِهٖ، وَ الْعَالِیْ عَلٰی كُلِّ شَیْءٍ مِّنهَا بِجَلَالِهٖ وَ عِزَّتِهِ. لَا یُعْجِزُهُ شَیْءٌ مِّنْهَا طَلَبَهٗ، وَ لَا یَمْتَنِعُ عَلَیْهِ فَیَغْلِبَهٗ، وَ لَا یَفُوْتُهُ السَّرِیْعُ مِنْهَا فَیَسْبِقَهٗ، وَ لَا یَحْتَاجُ اِلٰی ذِیْ مَالٍ فَیَرْزُقَهٗ.
خَضَعَتِ الْاَشْیَآءُ لَهٗ، وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِیْنَةً لِّعَظَمَتِهٖ، لَا تَسْتَطِیْعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهٖ اِلٰی غَیْرِهٖ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَّفْعِهٖ وَ ضَرِّهٖ، وَ لَا كُفْؤَ لَهٗ فَیُكَافِئَهٗ، وَ لَا نَظِیْرَ لَهٗ فَیُسَاوِیَهٗ. هُوَ الْمُفْنِیْ لَهَا بَعْدَ وُجُوْدِهَا، حَتّٰی یَصِیْرَ مَوْجُوْدُهَا كَمَفْقُوْدِهَا. وَ لَیْسَ فَنَآءُ الدُّنْیَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِاَعْجَبَ مِنْ اِنْشَآئِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا، وَ كَیفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِیْعُ حَیَوَانِهَا مِنْ طَیْرِهَا وَ بَهَآئِمِهَا، وَ مَا كَانَ مِنْ مُّرَاحِهَا وَ سَآئِمِهَا، وَ اَصْنَافِ اَسْنَاخِهَا وَ اَجْنَاسِهَا، وَ مُتَبَلِّدَةِ اُمَمِهَا وَ اَكْیَاسِهَا، عَلٰۤی اِحْدَاثِ بَعُوْضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلٰۤی اِحْدَاثِهَا، وَ لَا عَرَفَتْ كَیْفَ السَّبِیْلُ اِلٰی اِیْجَادِهَا، وَ لَتَحَیَّرَتْ عُقُوْلُهَا فِیْ عِلْمِ ذٰلِكَ وَ تَاهَتْ، وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ، وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِیْرَةً، عَارِفَةًۢ بِاَنَّهَا مَقْهُوْرَةٌ، مُقِرَّةًۢ بِالْعَجْزِ عَنْ اِنْشَآئِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ اِفْنَآئِهَا!.
وَ اِنَّ اللّٰهَ سُبْحَانَهٗ یَعُوْدُ بَعْدَ فَنَآءِ الدُّنْیَا وَحْدَهٗ لَا شَیْءَ مَعَهٗ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَآئِهَا، كَذٰلِكَ یَكُوْنُ بَعْدَ فَنَآئِهَا، بِلَا وَقْتٍ وَّ لَا مَكَانٍ، وَ لَا حِیْنٍ وَّ لَا زَمَانٍ، عُدِمَتْ عِنْدَ ذٰلِكَ الْاٰجَالُ وَ الْاَوْقَاتُ، وَ زَالَتِ السِّنُوْنَ وَ السَّاعَاتُ، فَلَا شَیْءَ اِلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِیْ اِلَیْهِ مَصِیْرُ جَمِیْعِ الْاُمُوْرِ، بِلَا قُدْرَةٍ مِّنْهَا كَانَ ابْتِدَآءُ خَلْقِهَا، وَ بِغَیْرِ امْتِنَاعٍ مِّنْهَا كَانَ فَنَآؤُهَا، وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَی الْاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَآؤُهَا.
لَمْ یَتَكَآءَدْهُ صُنْعُ شَیْءٍ مِّنْهَاۤ اِذْ صَنَعَهٗ، وَ لَمْ یَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهٗ وَ بَرَاَهٗ، وَ لَمْ یُكَوِّنْهَا لِتَشْدِیْدِ سُلْطَانٍ، وَ لَا لِخَوْفٍ مِّنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ، وَ لَا لِلْاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلٰی نِدٍّ مُّكَاثِرٍ، وَ لَا لِلْاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُّثَاوِرٍ، وَ لَا لِلْاِزْدِیَادِ بِهَا فِیْ مُلْكِهٖ، وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِیْكٍ فِیْ شِرْكِهٖ، وَ لَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، فَاَرَادَ اَنْ یَّسْتَاْنِسَ اِلَیْهَا. ثُمَّ هُوَ یُفْنِیْهَا بَعْدَ تَكْوِیْنِهَا، لَا لِسَاَمٍ دَخَلَ عَلَیْهِ فِیْ تَصْرِیْفِهَا وَ تَدْبِیْرِهَا، وَ لَا لِرَاحَةٍ وَّاصِلَةٍ اِلَیْهِ، وَ لَا لِثِقَلِ شَیْءٍ مِّنْهَا عَلَیْهِ.
لَا یُمِلُّهٗ طُوْلُ بَقَآئِهَا فَیَدْعُوَهٗ اِلٰی سُرْعَةِ اِفْنَآئِهَا، لٰكِنَّهٗ سُبْحَانَهٗ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهٖ، وَ اَمسَكَهَا بِاَمْرِهٖ، وَ اَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهٖ. ثُمَّ یُعِیْدُهَا بَعْدَ الْفَنَآءِ مِنْ غَیْرِ حَاجَةٍ مِّنْهُ اِلَیْهَا، وَ لَا اسْتِعَانَةٍۭ بِشَیْءٍ مِّنْهَا عَلَیْهَا، وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِّنْ حَالِ وَحْشَةٍ اِلٰی حَالِ اسْتِئْنَاسٍ، وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَّ عَمًی اِلٰی حَالِ عِلْمٍ وَّ الْتِمَاسٍ، وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَّ حَاجَةٍ اِلٰی غِنًی وَّ كَثْرَةٍ، وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَّضَعَةٍ اِلٰی عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ.

وهذه الخطبة مرتبطة بحيد، وفيها من أساسيات العلم والمعرفة ما لا تغلب عليه أي خطبة أخرى.. من وصفه بطرق مختلفة لم يفهم التوحيد، ومن شبهه لم يجد حقيقته، ومن شبهه بشيء لم يقصده، ومن اعتبره مرجعا وجعله في خياله.. ولم يلتفت إليه، فمن عرف بطبيعته يكون مخلوقا، ومن يعتمد على غيره يحتاج إلى عقل.. وهو غافل دون تحريك الآلات. وهو القاضي على كل شيء. فهو غني بلا قلق. وبدون الاستفادة من الآخرين، لا الزمن رفيقه، ولا الأدوات مساعدته ومحددته. وجوده سابق للزمان، ووجوده سابق على العدم، وبدايته الأزلية حتى قبل أن يخترع قوى الشعور والوعي، ومعلوم أنه ليس له حواس وأدوات وعي، وبقول أن الأشياء متضادة، يعرف أنه لا يمكن أن يكون له تضاد، والأشياء التي جمعها يعلم أنه لا صاحب له، وجعل النور أظلم، وظلمة، ويابساً، وحراً.. ويقال أنه مضاد للبرد. وهو الذي يجمع الأشياء المتعارضة في مركز، ويجمع الأشياء المتضادة، ويفصل الأشياء المرتبطة ببعضها.. فهو لا يحده أي حد ولا يحصيه.. والكلمة القديمة محرمة إلى الأبد. لقد تم حذف كلمة لولا من كمال. وبهذه الأعضاء والحواس انكشفت أصولها للعقول، وبموجبها خرجت عن نظر الأبصار.. ولا يمكن فرض الحركة والسكون عليها. حسنًا، ما هو الشر على خلقه، وكيف يكون شرًا عليه؟. وكيف يمكن أن ينسب إليه ما خلقه أصلا، وكيف يمكن أن يخلق فيه ما خلقه؟ فإذا كان الأمر كذلك، فسيتم الإعلان عن أن طبيعتها قابلة للتغيير، وسيتم فصل حقيقتها عن الأبدية.. ولو كان له بعد أمامي كان له أيضا اتجاه خلفي، وإذا كان ناقصا لاحتاج إلى اكتماله، وفي هذه الحالة يصبح هو نفسه دليلا على وجود خالق، وإن لم يمنع أن يكون فيه صفات الخلق، فهو شر مما يؤثر فيه ما يؤثر على الاحتمالات.. لا يتغير ولا يتحلل. ولا يجوز له أن ينصب، ليس له ذرية وليس ذرية لأحد. وإلا فإنه سيبقى محدودا، فهو خارج عن إنجاب جميع الأطفال ومتحرر من ملامسة النساء. ولا تستطيع الأوهام إدراكه، ولا تستطيع العقول تصوره حتى تحدد صورته.. ولا تستطيع الحواس إدراكه والإحساس به، ولا تفوته الأيدي عند لمسه، ولا يتغير في حال، ولا يتغير في أحوال، ولا يغيره الليل والنهار، ولا يغيره النور والظلمة.. لا حد له ولا نهاية، ولا انحطاط ولا نهاية، ولا تهيمن عليه هذه الأشياء، سواء رفعته أو خفضته، ولا الأشياء التي تحمله، سواء أدارته ذهابًا وإيابًا أو أبقته قائمًا.. يخبرنا أنه ليس داخل الأشياء أو خارجها. يسمع دون حركة اللسان والحنك، دون أدوات السمع يتكلم، بدون نطق يتذكر كل شيء دون أن يكلف نفسه عناء التذكر، ينوي، بلا قلب وضمير يصنع أصدقاء ويسعد بلا شفقة، يغضب على العدو دون ألم الحزن والأسى، يسمي ما يريد أن يخلقه "هوجا".. ويتم بها دون أي صوت يضرب الأذن (الطبل) ودون أي صوت يمكن سماعه.. بل كلام الله سبحانه وتعالى مجرد فعل ابتدعه، ولا يمكن أن يكون مثل هذا الكلام موجودًا من قبل، ولو كان قديمًا لكان إلهًا آخر.. ولا يمكن أن يقال إنه جاء بعد العدم، وانطبقت عليه الصفات العرضية، وأنه لا فرق بينه وبين المخلوقات، ولا أن له فوقهم أي تفوق، فيستوي الخالق والمخلوق في مستوى واحد، ويستوي الخالق والمنتج.. وخلق الخلق على غير مثال لم يسبقه إليه أحد، ولم يستعين في خلقه بأحد من الخلق.. فأوجد الأرض فأسواها من غير أن يتدخل فيها، وأدامها من غير تعليق على شيء، وبلا عمد أقامها، وبلا عمد رفعها.. وحمايته من الانحناء والانحناء وحفظه من التساقط والانفجار. جعل جباله صلبة كالمسامير، وثبت الصخور. جعل مما بناه ينابيع وفتح مجاري المياه، لم يكن فيه قصور، ولم يكن فيما قويه ضعف.. يهيمن على الأرض بجلاله وجلاله، ويعلم خفاياها بعلمه وحكمته، ويظلل كل شيء بجلاله وشرفه.. ما يريد منه لا يستطيع أن يخرج عن متناوله، ولا يستطيع أن يغلبه بالابتعاد عنه، ولا يمكن لأي نهر سريع أن يخرج من سيطرته ليتجاوزه، ولا يحتاج إلى غني يعوله.. ويتواضع كل شيء أمامه، ويذل أمام جلاله وجلاله. إن ما لم يكن موجودًا أبدًا وتدمير العالم بعد خلقه ليس أكثر إثارة للدهشة (صعوبة) من إيجاده من البداية ولماذا يمكن أن يحدث هذا وجميع الحيوانات من الطيور أو الماشية.. سوف يعودون إلى المنزل ليلاً. أو الذين يرعون في المراعي كيفما كانوا ومهما كانوا، وجميع الناس سواء كانوا من النهار أو السفهاء أو الحكماء والأذكياء، إذا أرادوا أن يخلقوا بعوضة، فلن يستطيعوا خلقها، ولن يستطيعوا معرفة كيفية خلقها، وفي عملية معرفة ذلك، ستضطرب عقولهم وتضطرب، وتتواضع قواهم وتعجز، مع العلم أنهم مهزومون ومعترفون بأنهم اخترعوا ذلك.. عاجزين ويعترفون بأنهم غير قادرين على تدميره. سيعودون مرهقين ويائسين، لا شك أن الله سبحانه وتعالى، بعد نهاية العالم، سيكون المرء وحيدًا، ولن يكون معه شيء.. تماما كما تم اختراع العالم وعرضه قبل ناش. وكذلك بعد تدميره لن يكون هناك زمان ولا مكان ولا اضطراب، ثم تختفي كل الفترات والأزمنة والسنوات والساعات من الوجود إلا الله الواحد الأحد الذي إليه ترجع كل الأشياء.. لن يبقى شيء. بداية تقدمتهم كانت خارجة عن إرادتهم، كما أن تدميرهم سيكون أيضًا دون تدخلهم.. ولو كان لديه القدرة على الإنكار لعاشت حياته. فإذا خلق شيئاً لم يجد صعوبة في خلقه، ولم يكن تقديم ما خلقه يجعله ضعيفاً عاجزاً.. ولم يخلق هذه الأشياء لبناء إمبراطوريته و(درءا) أخطار الانحطاط والانحلال، والاستغاثة على منافس متجمع، والحماية من الغنيمة الغازية، وتوسيع نطاق الملكوت والإمبراطورية، ولم يريد (خائفا) من الرعب أن يعيش بهذه الأشياء، ثم بعد أن خلق هذه الأشياء. يهلكها لا لأنه عناء تغييرها والعناية بها، ولا لما يتوقعه من اليسر والراحة في محوها، ولا لأنه مثقل بأحدها.. و حبسهم بأمره و شددهم بقدرته. ثم سيعكس هذه الأمور بعد الفناء. ليس لأن هناك حاجة لأي منهم. ويريد مساعدتهم، ولا يعيد خلقهم لينتقل من حيرة الوحدة إلى حالة التعلق، وليخرج من حالة الجهل وقلة البصيرة إلى عالم الألفة والتجربة، ولينتقل من الفقر والعوز إلى الغنى والوفرة، ومن الذل والمهانة إلى العزة والقوة..