خطبة خطبة : 218

خطبة (218): قال وهو يقرأ سورة الحكم التكاثر (﴿اَلْهٰىكُمُ التَّكَاثُرُۙ۝ حَتّٰی زُرْتُمُ الْمَقَابِرَؕ۝﴾)

قَالَهٗ بَعْدَ تِلَاوَتِهٖ: ﴿اَلْهٰىكُمُ التَّكَاثُرُۙ۝ حَتّٰی زُرْتُمُ الْمَقَابِرَؕ۝﴾.
یَا لَهٗ مَرَامًا مَّاۤ اَبْعَدَهٗ! وَ زَوْرًا مَّاۤ اَغْفَلَهٗ! وَ خَطَرًا مَّاۤ اَفْظَعَهٗ! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ اَیَّ مُدَّكِرٍ، وَ تَنَاوَشُوْهُمْ مِنْ مَّكَانٍۭ بَعِیْدٍ! اَ فَبِمَصَارِعِ اٰبَآئِهِمْ یَفْخَرُوْنَ! اَمْ بِعَدِیْدِ الْهَلْكٰی یَتَكَاثَرُوْنَ!.
یَرْتَجِعُوْنَ مِنْهُمْ اَجْسَادًا خَوَتْ، وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ، وَ لَاَنْ یَّكُوْنُوْا عِبَرًا اَحَقُّ مِنْ اَنْ یَّكُوْنُوْا مُفْتَخَرًا، وَ لَاَنْ یَّهْبِطُوْا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ اَحْجٰی مِنْ اَنْ یَّقُوْمُوْا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ!.
لَقَدْ نَظَرُوْۤا اِلَیْهِمْ بِاَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَ ضَرَبُوْا مِنْهُمْ فِیْ غَمْرَةِ جَهَالَةٍ، وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوْا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّیَارِ الْخَاوِیَةِ، وَ الْرُّبُوْعِ الْخَالِیَةِ، لَقَالَتْ: ذَهَبُوْا فِی الْاَرْضِ ضُلَّالًا، وَ ذَهَبْتُمْ فِیْۤ اَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا، تَطَؤٗنَ فِیْ هَامِهِمْ، وَ تَسْتَثْبِتُوْنَ فِیْۤ اَجْسَادِهِمْ، وَ تَرْتَعُوْنَ فِیْمَاۤ لَفَظُوْا، وَ تَسْكُنُوْنَ فِیْمَا خَرَّبُوْا، وَ اِنَّمَا الْاَیَّامُ بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَهُمْ بَوَاكٍ وَّ نَوَاۗئِحُ عَلَیْكُمْ.
اُولٰٓئِكُمْ سَلَفُ غَایَتِكُمْ، وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ، الَّذِیْنَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ، وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ، مُلُوْكًا وَّ سُوَقًا، سَلَكُوْا فِیْ بُطُوْنِ الْبَرْزَخِ سَبِیْلًا سُلِّطَتِ الْاَرْضُ عَلَیْهِمْ فِیْهِ، فَاَكَلَتْ مِنْ لُّحُوْمِهِمْ، وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَآئِهِمْ، فَاَصْبَحُوْا فِیْ فَجَوَاتِ قُبُوْرِهِمْ جَمَادًا لَّا یَنْمُوْنَ، وَ ضِمَارًا لَّا یُوْجَدُوْنَ، لَا یُفْزِعُهُمْ وُرُوْدُ الْاَهْوَالِ، وَ لَا یَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْاَحْوَالِ، وَ لَا یَحْفِلُوْنَ بِالرَّوَاجِفِ، وَ لَا یَاْذَنُوْنَ لِلْقَوَاصِفِ،
غُیَّبًا لَّا یُنْتَظَرُوْنَ، وَ شُهُوْدًا لَّا یَحْضُرُوْنَ، وَ اِنَّمَا كَانُوْا جَمِیْعًا فَتَشَتَّتُوْا، وَ اُلَّافًا فَافْتَرَقُوْا، وَ مَا عَنْ طُوْلِ عَهْدِهِمْ، وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِیَتْ اَخْبَارُهُمْ، وَ صَمَّتْ دِیَارُهُمْ، وَ لٰكِنَّهُمْ سُقُوْا كَاْسًا بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَسًا، وَ بِالسَّمْعِ صَمَمًا، وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوْنًا، فَكَاَنَّهُمْ فِی ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعٰی سُبَاتٍ،
جِیْرَانٌ لَّا یَتَاَنَّسُوْنَ، وَ اَحِبَّآءُ لَا یَتَزَاوَرُوْنَ، بَلِیَتْ بَیْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ، وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمْ اَسْبَابُ الْاِخَآءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِیْدٌ وَّ هُمْ جَمِیْعٌ، وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ اَخِلَّآءُ، لَا یَتَعَارَفُوْنَ لِلَیْلٍ صَبَاحًا، وَ لَا لِنَهَارٍ مَّسَآءً.
اَیُّ الْجَدِیْدَیْنِ ظَعَنُوْا فِیْهِ كَانَ عَلَیْهِمْ سَرْمَدًا، شَاهَدُوْا مِنْ اَخْطَارِ دَارِهِمْ اَفْظَعَ مِمَّا خَافُوْا، وَ رَاَوْا مِنْ اٰیَاتِهَاۤ اَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوْا، فَكِلْتَا الْغَایَتَیْنِ مُدَّتْ لَهُمْ اِلٰی مَبَآءَةٍ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَآءِ. فَلَوْ كَانُوْا یَنْطِقُوْنَ بِهَا لَعَیُوْا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوْا وَ مَا عَایَنُوْا.
وَ لَئِنْ عَمِیَتْ اٰثَارُهُمْ، وَ انْقَطَعَتْ اَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِیْهِمْ اَبْصَارُ الْعِبَرِ، وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ اٰذَانُ الْعُقُوْلِ، وَ تَكَلَّمُوْا مِنْ غَیْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ، فَقَالُوْا: كَلَحَتِ الْوُجُوْهُ النَّوَاضِرُ، وَ خَوَتِ الْاَجْسَادُ النَّوَاعِمُ، وَ لَبِسْنَاۤ اَهْدَامَ الْبِلٰی، وَ تَكَآءَدَنَا ضِیْقُ الْمَضْجَعِ، وَ تَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَ تَهَكَّمَتْ عَلَیْنَا الرُّبُوْعُ الصُّمُوْتُ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ اَجْسَادِنَا، وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَ طَالَتْ فِیْ مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ اِقَامَتُنَا، وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجًا، وَ لَا مِنْ ضِیْقٍ مُّتَّسَعًا!.
فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، اَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوْبُ الْغِطَآءِ لَكَ، وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ اَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ، وَ اكْتَحَلَتْ اَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وَ تَقَطَّعَتِ الْاَلْسِنَةُ فِیْۤ اَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا، وَ هَمَدَتِ الْقُلُوْبُ فِیْ صُدُوْرِهِمْ بَعْدَ یَقَظَتِهَا، وَ عَاثَ فِیْ كُلِّ جَارِحَةٍ مِّنْهُمْ جَدِیْدُ بِلًی سَمَّجَهَا، وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْاٰفَةِ اِلَیْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَاۤ اَیْدٍ تَدْفَعُ، وَ لَا قُلُوْبٌ تَجْزَعُ، لَرَاَیْتَ اَشْجَانَ قُلُوْبٍ، وَ اَقْذَآءَ عُیُوْنٍ، لَهُمْ فِیْ كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَّا تَنْتَقِلُ، وَ غَمْرَةٌ لَّا تَنْجَلِیْ، وَ كَمْ اَكَلَتِ الْاَرْضُ مِنْ عَزِیْزِ جَسَدٍ، وَ اَنِیْقِ لَوْنٍ، كَانَ فِی الدُّنْیَا غَذِیَّ تَرَفٍ، وَ رَبِیْبَ شَرَفٍ! یَتَعَلَّلُ بِالسُّرُوْرِ فِیْ سَاعَةِ حُزْنِهٖ، وَ یَفْزَعُ اِلَی السَّلْوَةِ اِنْ مُصِیْبَةٌ نَّزَلَتْ بِهٖ، ضَنًّۢا بِغَضَارَةِ عَیْشِهٖ، وَ شَحَاحَةًۢ بِلَهْوِهٖ وَ لَعِبِهٖ!.
فَبَیْنَا هُوَ یَضْحَكُ اِلَی الدُّنْیَا وَ تَضْحَكُ اِلَیْهِ فِیْ ظِلِّ عَیْشٍ غَفُوْلٍ، اِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهٖ حَسَكَهٗ، وَ نَقَضَتِ الْاَیَّامُ قُوَاهُ، وَ نَظَرَتْ اِلَیْهِ الْحُتُوْفُ مِنْ كَثَبٍ، فَخَالَطَهٗ بَثٌّ لَّا یَعْرِفُهٗ، وَ نَجِیُّ هَمٍّ مَّا كَانَ یَّجِدُهٗ، وَ تَوَلَّدَتْ فِیْهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، اٰنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهٖ، فَفَزِعَ اِلٰی مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْاَطِبَّآءُ مِنْ تَسْكِیْنِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ، وَ تَحْرِیْكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ، فَلَمْ یُطْفِئْ بِبَارِدٍ اِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً، وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍّ اِلَّا هَیَّجَ بُرُوْدَةً، وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِّتِلْكَ الطَّبَآئِعِ اِلَّاۤ اَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَآءٍ، حَتّٰی فَتَرَ مُعَلِّلُهٗ، وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهٗ، وَ تَعَایَاۤ اَهْلُهٗ بِصِفَةِ دَآئِهٖ. وَ خَرِسُوْا عَنْ جَوَابِ السَّآئِلِیْنَ عَنْهُ، وَ تَنَازَعُوْا دُوْنَهٗ شَجِیَّ خَبَرٍ یَّكْتُمُوْنَهٗ، فَقَآئِلٌ یَّقُوْلُ: هُوَ لِمَا بِهٖ، وَ مُمَنٍّ لَّهُمْ اِیَابَ عَافِیَتِهٖ، وَ مُصَبِّرٌ لَّهُمْ عَلٰی فَقْدِهٖ، یُذَكِّرُهُمْ اُسَی الْمَاضِیْنَ مِنْ قَبْلِهٖ.
فَبَیْنَا هُوَ كَذٰلِكَ عَلٰی جَنَاحٍ مِّنْ فِرَاقِ الدُّنْیَا وَ تَرْكِ الْاَحِبَّةِ، اِذْ عَرَضَ لَهٗ عَارِضٌ مِّنْ غُصَصِهٖ، فَتَحَیَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهٖ، وَ یَبِسَتْ رُطُوْبَةُ لِسَانِهٖ، فَكَمْ مِنْ مُّهِمٍّ مِّنْ جَوَابِهٖ عَرَفَهٗ فَعَیَّ عَنْ رَّدِّهٖ، وَ دُعَآءٍ مُّؤْلِمٍ لِّقَلْبِهٖ سَمِعَهٗ فَتَصَامَّ عَنْهُ، مِنْ كَبِیْرٍ كَانَ یُعَظِّمُهٗ، اَوْ صَغِیْرٍ كَانَ یَرْحَمُهٗ! وَ اِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِیَ اَفْظَعُ مِنْ اَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، اَوْ تَعْتَدِلَ عَلٰی عُقُوْلِ اَهْلِ الدُّنْیَا.

قال أمير المؤمنين ﷷ بعد قراءة آية الحكم التكاثر هات زرتم المقبرة (لقد نسيتم كثرة الناس والقبائل حتى رأيت القبور) قال:. فانظر ما أبعد قصد هؤلاء الذين يتباهون بهذه العظام الفاسدة، وما مدى غفلة وجهل من يأتون القبور، وما مدى صعوبة هذه الحملة وصعوبتها.. وكانوا يعتبرون الموتى خاليين من أي شيء مفيد ويأخذونهم من مكان بعيد (لكسب رأس المال).. هل يفتخرون بجثث أسلافهم؟. أو يشعرون بكثرتهم مع زيادة عدد الموتى، يريدون تسليم الجثث التي أصبحت هامدة واستعادة الحركات التي توقفت.. إنهم قادرون على أن يكونوا عبرة أكثر من كونهم سببا للفخر. فبسببهم النزول إلى موضع العجز والذل أولى من الوقوف في موضع العزة والكبرياء.. لقد نظروا إليهم بعيون مجروحة و(بدلاً من التعلم منهم) انحدروا إلى أعماق الجهل.. وإذا سألوا عن ماضيهم في باحات البيوت المهدمة والبيوت الفارغة، سيقولون إنهم نزلوا تحت الأرض في حالة ضلال، وأنتم أيضا تسيرون خلفهم في جهل، تدوسون جماجمهم، وتريدون أن تبنيوا مباني على مكان أجسادهم، ترعون ما تركوه وراءهم، والأوساخ التي تركوها فارغة.. امكثوا فيها، وهذه الأيام بينكم وبينهم، يبكون عليكم، وينيحون.. أولئك الذين وصلوا بالفعل إلى وجهتك مانتاها والذين وصلوا بالفعل إلى ينابيع رأسك هم نفس الأشخاص الذين كانت لهم أماكن الشرف ووفرة الفخر والتمجيد.. ولذلك فقدت نموها في شقوق القبر وأصبحت متجمدة واختفت عن الأنظار بحيث لا يمكن العثور عليها (بالبحث).. لا قدوم الأخطار المباشرة يخيفهم، ولا ثورة الظروف تحزنهم، ولا يهتمون بالزلازل، ولا يستمعون للرعد، هم غائبون لا يتوقعون وهناك من لا يظهر، أولئك الذين كانوا يعيشون معًا، الذين الآن متفرقون والآن لديهم حب متبادل، الذين الآن منفصلون، صمت منازلهم ليس بسبب امتداد الزمن والطابق الثاني، بل بسببهم (الموت).. (كا) قد أُعطي هذا المحيط الذي سلبهم الكلام وأخرسهم وأصمهم بسلبهم قوة السمع واستبدل حركاتهم بالهدوء واللامبالاة وكأنهم ينظرون إليهم بنظرة واحدة وكأنهم نائمون.. وهم جيران لا تربطهم مودة وأصدقاء لا يختلطون ببعضهم البعض.. لقد تآكلت أواصر الألفة وانقطعت أواصر الأخوة. إنهم معًا ثم بمفردهم، وبينما هم أصدقاء، فإنهم منفصلون. وهؤلاء لا يعرفون فجره إذا كان ليلاً، ولا يعرفون مساءه إذا كان نهاراً. إن الساعة من الليل أو النهار التي قطعوا فيها الرحلة هي دائمًا واحدة بالنسبة لهم. ووجدوا أهوال الآخرة أشد رعبا. وبقدر ما خافوا ورأوا الآثار هناك أكبر مما تصوروا، امتدت الوجهة (للمؤمنين والكافرين) إلى أبعد مكان (الجحيم والجنة).. سيكون فوق كل خوف (للكافرين) وفوق كل رجاء (للمؤمنين)، لو أنهم يستطيعون أن يتكلموا عندما تصمت ألسنتهم عن وصف الأشياء المرئية.. مع أن آثارهم قد محيت وانقطعت أخبارهم. ولكن العيون والأبصار تراهم، والآذان والأذهان تسمعهم.. لقد تحولت الأجساد الناعمة الرقيقة إلى تراب، ونحن نلبس أكفانًا فاسدة، وأذلنا ضيق القبر.. لقد ورث الخوف والرعب من بعضهما البعض. أرضياتنا الصامتة مهجورة، ومفاتن أجسادنا محيت. لقد تغيرت وجوهنا المألوفة. لقد طال إقامتنا في هذه الفظائع. ليس هناك مفر من القلق. ولا وفرة من الشح. الآن في هذا العالم بسبب الحشرات أصبحت آذانهم صماء بسبب فقدان السمع. وقد غاصت عيون آران في سواد الغبار، وانقسمت الألسنة في أفواههم بعد القوة والطلاقة، وجمدت القلوب التي في صدورهم بعد التنبيه.. وقد تحطم كل عضو من أعضائهم بالتحلل الجديد وتحول إلى سوء، وهم على استعداد (لتحمل كل بلاء) دون مقاومة.. لقد مهدت لهم طريق المصائب، فلا يد تنقذهم، ولا قلوب تضطرب، إذا ثبتتم خريطتهم في عقولكم، أو إذا كشف من أمامكم الحجاب الذي عليهم، فسوف ترى بالتأكيد حزن قلوبهم، والحزن في عيونهم، أنهم في حالة من الشدة والقسوة التي لا تتغير، وهذا العذاب والموت. هناك شيء لا يمكن إزالته، وستعرف كم أكلت الأرض من أجساد كريمة وألوان وأشكال جذابة، كانت تسلي القلب بالوجوه البهيجة حتى في ساعات الحزن.. وإذا أصابتهم أي مصيبة أغرتهم مرطبات كمالياتهم، وافتتنوا باللعب واللهو، استعانوا بالأوقات السعيدة، وهم يضحكون على الدنيا في ظلال حياة غفلة محيرة، وكانت الدنيا تضحك عليهم، حتى داسهم الزمان كالشوكة وكسر كل قوتهم، واقتربت منهم عيون الموت. ولكنهم بدأوا يسقطون، وقد أصابهم حزن وأسى لم يعرفوه، وأصابهم قلق داخلي لم يشعروا به من قبل.. وبشرط أنهم كانوا على دراية كبيرة بالصحة. فلما ظهر فيهم ضعف المرض لجأوا إلى نفس الأشياء التي اعتادهم عليها الأطباء، أي إزالة الحرارة بالأدوية الباردة، وتخفيف البرد بالأدوية الدافئة، لكن الأدوية الباردة بدلاً من أن تطفئ الحرارة ألهبتها، والأدوية الدافئة بدلاً من إزالة البرودة زادت هياجها، ووصلت أمزجتهم إلى الاعتدال مع الأشياء الممزوجة بهذه الأحوال.. بل كانت هذه الأمور تفاقم وتتفاقم في كل عضو. حتى الباحثين عن الطعام تباطأوا. بدأ القائمون على الرعاية (اليائسون) بالإهمال. ولم يتمكن أفراد الأسرة من شرح حالة المرض والتزموا الصمت من رد مسبار الحالة المزاجية، وبينما كانوا يخفون ذلك عنه، بدأوا يختلفون حول هذا الخبر الحزين.. وكان أحد الراوي يقول إن حالته واضحة، وكان أحدهم يتمنى رجوع الصحة والعافية، وكان آخر يحثهم على الصبر على موته (الوشيك) ويذكرهم بمعاناة من سبقه.. وفي الوقت الذي كان يستعد فيه لترك العالم وترك أصدقائه، أمسكت به إحدى فخاخ العميان، فاضطربت حواسه، وجف لسانه، وكم من الأسئلة الغامضة التي عرف إجابتها.. لكنه عجز عن وصفها، ومهما ضربت أذنيه من الأصوات المؤلمة، فإن تلك الأصوات التي أصبح أصم عن سماعها كانت إما أصوات شخص مسن كان يحترمه كثيرا، أو صوت طفل صغير كان يعطف عليه ويعطف عليه..