خطبة خطبة : 95

خطبة (95): في توبيخ جيشه وتحذيره (وَ مَنْ تَاَمَّلَ اَحْوَالَهٗ ؑ فِیْ خِلَافَتِهٖ - عَلِمَ اَنَّهٗ كَانَ كَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ - لَا يَتَمَكَّنُ مِنْۢ بُلُوْغِ مَا فِیْ نَفْسِهٖ،- وَ ذٰلِكَ لِاَنَّ الْعَارِفِيْنَ بِحَقِيْقَةِ حَالِهٖ كَانُوْا قَلِيْلِيْنَ - وَ كَانَ السَّوَادُ الْاَعْظَمُ - لَا يَعْتَقِدُوْنَ فِيْهِ الْاَمْرَ الَّذِیْ يَجِبُ اعْتِقَادُهٗ فِيْهِ،- وَ يَرَوْنَ تَفْضِيْلَ مَنْ تَقَدَّمَهٗ مِنَ الْخُلَفَآءِ عَلَيْهِ- وَ يَظُنُّوْنَ اَنَّ الْاَفْضَلِيَّةَ اِنَّمَا هِیَ الْخِلَافَةُ- وَ يُقَلِّدُ اَخْلَافُهُمْ اَسْلَافَهُمْ - وَ يَقُوْلُوْنَ لَوْ لَا اَنَّ الْاَوَآئِلَ عَلِمُوْا - فَضْلَ الْمُتَقَدِّمِيْنَ عَلَيْهِ لَمَا قَدَّمُوْهُمْ - وَ لَا يَرَوْنَهٗ اِلَّا بِعَيْنِ التَبَعِيَّةِ لِمَنْ سَبَقَهٗ - وَ اَنَّهٗ كَانَ رَعِيَّةً لَّهُمْ - وَ اَكْثَرُهُمْ اِنَّمَا يُحَارِبُ مَعَهٗ بِالْحَمِيَّةِ - وَ بِنَخْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لَا بِالدِّيْنِ وَ الْعَقِيْدَةِ-.)

وَ لَئِنْ اَمْهَلَ اللهُ الظَّالِمَ فَلَنْ یَفُوْتَ اَخْذُهٗ، وَ هُوَ لَهٗ بِالْمِرْصَادِ عَلٰی مَجَازِ طَرِیْقِهٖ، وَ بِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَّسَاغِ رِیْقِهٖ.
اَمَا وَ الَّذِیْ نَفْسِیْ بِیَدِهٖ! لَیَظْهَرَنَّ هٰٓؤُلَآءِ الْقَوْمُ عَلَیْكُمْ، لَیْسَ لِاَنَّهُمْ اَوْلٰی بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَ لٰكِنْ لِّاِسْرَاعِهِمْ اِلٰی بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ، وَ اِبْطَآئِكُمْ عَنْ حَقِّیْ.
وَ لَقَدْ اَصْبَحَتِ الْاُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَ اَصْبَحْتُ اَخَافُ ظُلْمَ رَعِیَّتِیْ. اَسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوْا، وَ اَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوْا، وَ دَعَوْتُكُمْ سِرًّا وَّ جَهْرًا فَلَمْ تَسْتَجِیْبُوْا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوْا. اَ شُهُوْدٌ كَغُیَّابٍ، وَ عَبِیْدٌ كَاَرْبَابٍ؟!.
اَتْلُوْا عَلَیْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُوْنَ مِنْهَا، وَ اَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُوْنَ عَنْهَا، وَ اَحُثُّكُمْ عَلٰی جِهَادِ اَهْلِ الْبَغْیِ فَمَاۤ اٰتِیْ عَلٰۤی اٰخِرِ قَوْلِیْ حَتّٰۤی اَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِیْنَ اَیَادِیَ سَبَا، تَرْجِعُوْنَ اِلٰی مَجَالِسِكُمْ، وَ تَتَخَادَعُوْنَ عَنْ مَّوَاعِظِكُمْ، اُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً، وَ تَرْجِعُوْنَ اِلَیَّ عَشِیَّةً، كَظَهْرِ الْحَنِیَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَ اَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ.
اَیُّهَا الشَّاهِدَةُ اَبْدَانُهُمْ، الْغَآئِبَةُ عَنْهُمْ عُقُوْلُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ اَهْوَآئُهُمْ، الْمُبْتَلٰی بِهمْ اُمَرَآئُهُمْ! صَاحِبُكُمْ یُطِیْعُ اللهَ وَ اَنْتُمْ تَعْصُوْنَهٗ، وَ صَاحِبُ اَهْلِ الشَّامِ یَعْصِی اللهَ وَ هُمْ یُطِیْعُوْنَهٗ، لَوَدِدْتُّ وَاللهِ! اَنَّ مُعَاوِیَةَ صَارَفَنِیْ بِكُمْ صَرْفَ الدِّیْنَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَاَخَذَ مِنِّیْ عَشَرَةً مِّنْكُمْ وَ اَعْطَانِیْ رَجُلًا مِّنْهُمْ!.
یَاۤ اَهْلَ الْكُوْفَةِ! مُنِیْتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَّ اثنَتَیْنِ: صُمٌّ ذَوُوْ اَسْمَاعٍ، وَ بُكُمٌ ذَوُوْ كَلَامٍ، وَ عُمْیٌ ذَوُوْۤ اَبْصَارٍ، لَاۤ اَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَآءِ، وَ لَاۤ اِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَآءِ! تَرِبَتْ اَیْدِیْكُمْ! یَاۤ اَشْبَاهَ الْاِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ اٰخَرَ، وَاللهِ! لَكَاَنِّیْ بِكُمْ فِیْمَاۤ اِخَالُ: اَنْ لَّوْ حَمِسَ الْوَغٰی، وَ حَمِیَ الضِّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ اَبِیْ طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْاَةِ عَنْ قُبُلِهَا، وَ اِنِّیْ لَعَلٰی بَیِّنَةٍ مِّنْ رَّبِّیْ، وَ مِنْهَاجٍ مِّنْ نَّبِیِّیْ، وَ اِنِّیْ لَعَلَی الطَّرِیْقِ الْوَاضِحِ اَلْقُطُهٗ لَقْطًا.
اُنْظُرُوْۤا اَهْلَ بَیْتِ نَبِیِّكُمْ فَالْزَمُوْا سَمْتَهُمْ، وَ اتَّبِعُوْۤا اَثَرَهُمْ فَلَنْ یُّخْرِجُوْكُمْ مِنْ هُدًی، وَ لَنْ یُّعِیْدُوْكُمْ فِیْ رَدًی، فَاِنْ لَّبَدُوْا فَالْبُدُوْا، وَ اِنْ نَّهَضُوْا فَانْهَضُوْا، وَ لَا تَسْبِقُوْهُمْ فَتَضِلُّوْا، وَ لَا تَتَاَخَّرُوْا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوْا.
لَقَدْ رَاَیْتُ اَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَاۤ اَرٰی اَحَدًا مِنْكُمْ یُشْبِهُهُمْ! لَقَدْ كَانُوْا یُصْبِحُوْنَ شُعْثًا غُبْرًا، قَدْ بَاتُوْا سُجَّدًا وَّ قِیَامًا، یُرَاوِحُوْنَ بَیْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُوْدِهِمْ، وَ یَقِفُوْنَ عَلٰی مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ! كَاَنَّ بَیْنَ اَعْیُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزٰی مِنْ طُوْلِ سُجُوْدِهِمْ! اِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ اَعْیُنُهُمْ حَتّٰی تَبُلَّ جُیُوْبَهُمْ، وَ مَادُوْا كَمَا یَمِیْدُ الشَّجَرُ یَوْمَ الرِّیْحِ الْعَاصِفِ، خَوْفًا مِّنَ الْعِقَابِ، وَ رَجَآءً لِلثَّوَابِ!.

وإذا أمهل الله الظالم فلن يفلت من قبضته أبدا، وهو ينتظر الفرصة في مكان مروره وحيث يعلق عظم في الحلق.. والذي نفسي بيده لتنتصر هذه الأمة عليكم. ليس لأن حقهم أفضل من حقك، ولكن لأنهم يسرعون نحو صاحبهم (معاوية) مع كونهم على الباطل، وأنت متكاسل مع كونك على حقي.. كان الرعايا يخافون من ظلم وطغيان حكامهم، وأنا أخاف من ظلم رعيتي. وحثتكم على الجهاد فلم تخرجوا (من بيوتكم). أردت أن أسمعك (أشياء مفيدة)، ولكنك لم تسمع أي شيء. ودعوتك ودعوتك إلى الجهاد سراً وعلانية. لكنك لم تقبل أي شيء، وشرحت ونصحت، ولكنك لم تقبل نصيحتي. هل تبقى غائباً حتى وأنت حاضر، وكأنك السيد حتى وأنت في الدائرة؟ أطرح أمامك كلام حكمة ومعرفة، فتشتعل. أعطيك نصيحة رفيعة المستوى، فتتشتت في ذهنك. أنا أجهزكم لمحاربة هؤلاء المتمردين، ولكن قبل أن تنتهي كلماتي، أرى أنكم تفرقتم مثل أطفال سابا. تعودون إلى مقاعدكم، وتنسون هذه النصائح، فتقعون في فخ بعضكم البعض. في الصباح أقومك، وفي المساء عندما تأتي تكون معوجًا مثل ظهر القوس. من استقام فقد أصبح عاجزًا، ومن استقيم فقد أصبح شفاءه. يا أيها الناس! الذين أجسادهم موجودة، والعقول غائبة، والأهواء متفرقة. ومن يحكمهم يتم اختبارهم بأيديهم. أميركم يطع الله فتعصيه وأمير أهل الشام يعصي الله ويطيعونه. بالله! وددت أن معاوية يأخذ عشرة منكم ويعطيني رجلا من رجاله كما تبدل الدنانير بالدراهم. يا أهل الكوفة! إني مبتلى فيك ثلاثا واثنتين سواهما. الأول: أنك أصم وإن كان لك أذنان، وأبكم وإن تكلمت وتحركت، وأعمى وإن كانت لك عيون. والثاني: أنكم لستم رجالاً شجعاناً حقيقيين في زمن الحرب، ولا إخواناً موثوقين. يا من مثل مشية الإبل ضاع رعاتها فإذا اجتمعت من جانب تفرقت من الجانب الآخر. بالله! وأنا أفكر فيك وكأن هذا المشهد أمامي: إذا اشتدت الحرب واشتدت ساحة القتال، انفصلت عن ابن أبي طالب (عليه السلام) بشكل مخجل وكأن امرأة أصبحت عارية تمامًا.. أنا على بينة من ربي وطريق نبيي وطريق الحق (الذي أجده بالبحث عن طرق الباطل). انظر إلى أهل بيت نبيك، واتبع سيرتهم، واتبع آثارهم. لن يخرجوكم عن الهدى، ولن يردوكم إلى الضلال والهلاك. إذا توقفوا توقفت أنت أيضًا، وإذا قاموا ارتفعت أنت أيضًا. فلا تسبقوهم فتضلوا ولا تتخلفوا فتهلكوا. وقد رأيت خاصّة أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم). ولا أرى فيكم أحداً مثلهم. وكانوا يستيقظون وقد أشعث شعرهم وترابت وجوههم، وقد قضوا ليلهم سجدا وقياماً.. حتى أنهم تارة يسجدون جباههم وتارة خدودهم. وظلوا مضطربين عن ذكر الآخرة كأنهم قائمون على الجمر. ومن طول السجود تكوّنت بين أعينهم مثل ركبة الماعز.. كلما جاءهم ذكر الله فاضت أعينهم من الدمع حتى بلت أطواقهم. وكانوا يرتجفون كما ترتعش الأشجار في أيام العواصف الشديدة، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب..