تَرِدُ عَلٰۤى اَحَدِهِمُ الْقَضِیَّةُ فِیْ حُكْمٍ مِّنَ الْاَحْكَامِ فَیَحْكُمُ فِیْهَا بِرَاْیِهٖ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِیَّةُ بِعَیْنِهَا عَلٰى غَیْرِهٖ فَیَحْكُمُ فِیْهَا بِخِلَافِهٖ، ثُمَّ یَجْتَمِـعُ الْقُضَاةُ بِذٰلِكَ عِنْدَ الْاِمَامِ الَّذِی اسْتَقْضَاهُمْ، فَیُصَوِّبُ اٰرَآءَهُمْ جَمِیْعًا، وَ اِلٰهُهُمْ وَاحِدٌ، وَ نَبِیُّهُمْ وَاحِدٌ، وَ كِتَابُهُمْ وَاحِدٌ.
اَفَاَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالٰی بِالْاِخْتِلَافِ فَاَطَاعُوْهُ؟ اَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ؟ اَمْ اَنْزَلَ اللهُ دِیْنًا نَّاقِصًا فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلٰۤى اِتْمَامِهٖ؟ اَمْ كَانُوْا شُرَكَآءَ لَهٗ فَلَهُمْ اَنْ یَّقُوْلُوْا وَ عَلَیْهِ اَنْ یَّرْضٰى؟ اَمْ اَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِیْنًا تَامًّا فَقَصَّرَ الرَّسُوْلُ ﷺ عَنْ تَبْلِیْغِهٖ وَ اَدَآئِهٖ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهٗ یَقُوْلُ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِی الْكِتٰبِ مِنْ شَیْءٍ﴾، فِیْهِ تِبْیَانُ كُلِّ شَیْءٍ، وَ ذَكَرَ اَنَّ الْكِتَابَ یُصَدِّقُ بَعْضُہٗ بَعْضًا، وَ اَنَّهٗ لَا اخْتِلَافَ فِیْهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهٗ: ﴿وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوْا فِیْهِ اخْتِلَافًا كَثِیْرًا﴾. وَ اِنَّ الْقُرْاٰنَ ظَاهِرُهٗ اَنِیْقٌ وَّ بَاطِنُهٗ عَمِیْقٌ، لَا تَفْنٰى عَجَآئِبُهٗ، وَ لَا تَنْقَضِیْ غَرَآئِبُهٗ، وَ لَا تُكْشَفُ الظُّلُمٰتُ اِلَّا بِهٖ.
خطبة (18): وقد استنكر في الفتوى رقم 1 أقوال أهل العلم المختلفة فقال : (فِیْ ذَمِّ اخْتِلَافِ الْعُلَمَآءِ فِی الْفُتْيَا)
فإذا عرض على أحدهم أمر ليفصل فيه أملاه برأيه. ثم يعرض نفس الأمر على آخر، فيأمر على خلاف الأمر السابق، ثم يجتمع قضاة كل منهم أمام الخليفة الذي ولاهم قضاة، فيصرح بصواب آراء كل منهم. وإن كان إلههم واحداً والنبي واحد والكتاب واحد. (فلينظروا) هل أمرهم الله بالاختلاف فعصوا أمره بالاختلاف أم أنه نهى عن المعصية فعلا وبمعصيته يريدون معصيته عمدا. أو أن الله ترك الدين ناقصا وأراد أن يعينهم على إكماله، أو أن الله شاركهم في التدخل في أمره، وكان لا بد لهم من الرضا به، أو أن الله أنزل الدين كله ولكن رسوله أهمل في تبليغه وتنفيذه. وقد قال الله في القرآن إننا لم نغفل عن بيان شيء في الكتاب وقد بين كل شيء فيه، وقال أيضا إن بعض أجزاء القرآن تؤكد بعض الأجزاء ولا يوجد اختلاف فيه. ولذلك يقول الله تعالى: لو أن هذا القرآن نزل من غير الله لوجدتم فيه اختلافا كثيرا، وإن ظاهره جميل وباطنه عميق. لن تزول عجائبه، ولن تنتهي نكاته. طُبِش به حجاب الظلام (الجهل).
